اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
هناك أفلام تكاد تلامس المثالية، ومنهم فيلم “إنها حياة رائعة It’s a Wonderful Life، عُرِضَ أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1946، ، يحكي عن مجتمع النصف الأول من القرن العشرين في أمريكا، مدينة يسيطر عليها شخص رأسمالي قوي، قاسي القلب ومتشبع بشهوة السيطرة، يربح من نشاط توفير وظائف ومساكن حقيرة للناس، تجهدهم وتبقيهم تعساء وفقراء، وفي الكفَّة الثانية من الميزان، رجل صالح يقوم بتكوين شركة وحيدة، «بنك للإقراض العقاري للفقراء»، يتعامل مع الناس برفق وإخلاص، ساعد البنك الفقراء أنْ يمتلكوا منزلا كريما، وعارض البنك حلم الرجل الرأسمالي، أن يسيطر على المدينة، كان لدى مؤسس «البنك الخيري» ولد ذكي أسمه «جورج»، يحلم أنْ يهاجر ويدرس ويجوب العالم ويحقق طموحه، له صديقة جميلة تحبه، يقفا معا أمام منزل قديم مهجور يشبه منزل الساحرات، اعتاد أهل القرية انْ يلقي كل واحد منهم حجراً على المنزل بعد أن يتمنى أمنية، فيتمنى «جورج» أمنية ثم يلقي بحجر على زجاج المنزل، فتسأله ماذا تمنيت؟، فيخبرها بحلم الهجرة، فأمسكت بحجر وأسَرَّت أمنية ثم ألقت الحجر، فسألها ولم تجب، لكن المشاهد يفهم بداهة أنَّها تمنت أنْ لا تتحقق أمنيته لأنها تحبه ولا تريد رحيله.
يموت والده، ويتقدم عضو بمجلس إدارة المدينة باقتراح إلغاء «البنك الخيري»، فيقترح أحدهم أن يُعَيَّن الشاب مكان والده مقابل استمرار البنك، ويوافق الأعضاء، فيضطر الشاب تحت ضغط الشعور بالواجب أنْ يحمل المسؤولية، فيؤجل حلمه ويرسل أخاه بدلا منه للخارج، ويواصل خدمة الناس بالعمل بالبنك.
في نفس ليلة زفاف «جورج» وعروسه، تحدث أزمة في «البنك الخيري»، ينتهي الفرح ثم يستقل الزوجان السيارة ومعهم دولارات كثيرة، قاموا بادخارها لتحقيق حلمهما بشهر عسل استثنائي خارج المدينة، وفي الطريق يلاحظ «جورج» تجمعا أمام «البنك الخيري»، يتوقف ثم يهبط من السيارة ليستعلم عما يحدث، يعرف ظروفاً طرأت فتسببت بفراغ الخزينة لفترة مؤقتة، فالمال الذي يجب أنْ يَرِد إلى البنك تأخر وصوله، فأحدث هرجا بين الناس لأنهم عرفوا أنَّ رصيد البنك صفر، فهرعوا متجمهرين ليتسابقوا إلى سحب نقودهم القليلة.
***
حين نتوقف لنتساءل، لو كان هذا مشهدا في فيلم مصري، كيف يعبر عنه خيال المؤلف والمخرج باسم الواقعية؟ أتصور أن الجمهور سيحطم الأبواب والمقاعد، ويطرح كل منهم الآخر أرضا أثناء التزاحم والتلاسن، ويمسك كل واحد أي شيء يطوله، وربما تدخلت الشرطة وقامت بضرب هؤلاء الهمج والحرافيش والنمل، وحين ينفلت صوت العقل من شخص يطلب منهم الصبر، يردوا عليه بجملة شهيرة نعرفها: «نريد أن نربي عيالنا… يا عالم يا حرامية».
***
ولكن في الفيلم الأمريكي، حدث حوار وأفعال واستجابات مدهشة، وجد «جورج» الأبواب موصده أمام الناس، فتح الباب وأدخلهم ورحب بهم وطمأنهم وأكرمهم، وأثناء الحوار، أتصل به «الرأسمالي المسيطر على المدينة» وقدم عرضا بشراء الودائع، عَرَض أن يسدد للناس أموالهم بخصم نسبة قليلة من قيمتها، رفض الشاب من منطلق الثبات على المبدأ، ولعلمه بأنَّه لو وافق سوف يستولى الرأسمالي على القلعة الوحيدة للفقراء، ويتحكم في كل المدينة، يتوجه الشاب للناس بالشرح، لم يوبخهم أو يلومهم أو يتعالى عليهم، شرح بساطة العرض وخطورته، ورغم ذلك أوشكوا أن يقبلوا العرض، فناشدهم متوسلا أنْ يتَأنوا ويفكروا بهدوء ومنطق، ذَكَّرَهم بأنَّ هذا البنك جعلهم يمتلكون بيوتا ووظائف كريمة، ولهذا يستحق أنْ نتمسك به وإلا سوف يعود الجميع إلى الفقر والحاجة، يُعَبِّر بعض الجمهور عن فقره وحاجته الماسة لهذا المال، فتندفع عروس الشاب وتعطيه الأموال التي ستقضي بها شهر العسل، فيتلقفها ويقول لهم: «حسنا هذه الأموال خذوا منها حاجتكم، ولا داعي لأخذ كل حسابكم، فقط خذوا ما تضطروا له»، يقوم بعضهم بطلب «عشر دولارات.. عشرين»، كل فرد أخذ ما يضطر له حاليا، واكتفى الناس من هذا المبلغ، وتبقى دولاران حتى موعد إغلاق البنك، ومرت الأزمة بتعاون قلوب وعقول الناس، وقضت العروس شهر العسل بمنزل قديم بالبلدة، وتذوقت السعادة بضمير هانئ وبدولارين .
***
ثم يأتي مشهد الختام الذي لا أرى له مثيل في السينما العالمية، تحدث أزمة للشاب لا ذنب له بها، يفقد مبلغا كبيرا وهذا قد يعرضه للسجن وإغلاق «البنك الخيري».
تتطور مشاعر اليأس فيخاطب السماء مستنجدا بها ثم يهم بالانتحار، هنا يتدخل الخيال الحر للسينما الأمريكية، يطرح فكرة بديعة، هي نفس فكرة الفيلم المصري «طير أنت»، مَلَاك يريد أن يترقى وينال أجنحة ولكنه يحتاج اختبار عَمَلي، فيكون الاختبار أن يساعد الشاب «جورج» الذي استنجد بالسماء، وعليها أن تلبي نداءه وترسل مَلَاك ليهديه وينقذه مما هو فيه، فإن نجح المَلَاك فسوف يفوز بالأجنحة ويترقى ملَلَاك من الدرجة الأولى.
ينتشله مَلَاك قبل الانتحار، يوبخه الشاب ويختم كلامه بالدعاء: «يا ليتني لم أولد»، فيُلْهَم مَلَاك فكرة ويقول: «حسنا سأحقق أمنيتك، أنت لم تولد»، ولا ينتبه الشاب لهذه الكلمة، ويعود إلى المدينة ووراءه المَلَاك، يجلس في البار ويجد الصيدلي العجوز يتسول والناس تُهينه.
***
«حينما كان جورج صبيا، كان يعمل عند الصيدلي، يأتي الصيدلي خطاب يخبره بوفاة ولده، يسرف في الشراب، وتحت تأثير مشاعر الفاجعة والخمر، يخطئ ويضع سم في دواء، انتبه الصبي «جورج» للخطأ ومنع وصول الدواء للمريض، وأنقذ حياة المريض وسمعة ومستقبل الصيدلي».
ولهذا استغرب جورج من تغير حال الصيدلي وتعجب، فقال الناس له:
«هذا المجرم دخل السجن عشرين عاما لأنه وضع السم في دواء لمريض فمات، وقد خرج من السجن يتسول»، فقال له المَلَاك: «هل رأيت؟ حياتك كانت مهمة لإنقاذ الصيدلي والمريض».
ثم يذهب للمقابر فيجد شاهدا عليه اسم أخيه الذي توفي وهو صبي، فيتعجب، ويقول: «لكن أخي مازال على قيد الحياة وهو في الثلاثين»، فيقول له المَلَاك: «أنت انقذته من الغرق وهو صبي، ولأنك لم تولد مات».
يسير في المدينة التي امتلأت ببيوت الفقراء الذين ساعدهم «البنك الخيري». فيجد البنك قد اختفى والبلد كلها تحولت إلى منازل حقيرة للفقراء والكل تعيس وفقير، فيقول له المَلَاك: «لأنك لم تولد، انتصر الرأسمالي واستولى على البنك» ثم قال الجملة الفلسفية التي هي جوهر الفيلم: «حياة كل إنسان متصلة بعديد من الحيوات الأخرى». «حينما لا يكون موجودا يترك فجوة كبيرة»
***
هنا ننتبه للحكمة: «نحن لا نعيش في فراغ، وكل واحد منا هو جزء حي من حياة الآخرين». «لو لم نكن موجودين لحرموا من هذا الجزء الحي». «ولتغيرت حياتهم بدرجة مدهشة ومذهلة». «قد يكون للأفضل …. وقد يكون للأسوأ». «ربما كنا طوق نجاه ومعالم هدي». «وربما كنا مصدر شقاء ومعاناة وضلال».
***
يعود الشاب «جورج» إلى بيته وقد رحل المَلَاك، يجد كل شيء كما هو ولكن الجديد هو شعوره بالنعمة والإنجاز، وهنا نتعلم أننا نحتاج دائما لمن يذكرنا بقيمة ما بأيدينا.
ويُختم الفيلم بختام رائع وقيمي بامتياز.. ينتظر «جورج» السجن وخراب البنك بسبب الأموال التي ضاعت، فوجد زوجته قد أخبرت أهل المدينة بأنه في أزمة، فأسرع كل فرد بدفع ما يقدر عليه لتجميع المبلغ، وزاره الجميع في بيته وملأوا مائدته بالأموال وهم يقولون: «لقد عملت لنا خيرا كثيرا، والآن جاء دورنا لنرد لك بعض الجميل». مرة أخرى يتحرك المجتمع وينقذ النخبة ويحيي العمل الصالح.
***
لو رجعنا للسينما المصرية التي تدمن مصطلح «الواقعية»، لوجدنا خيالها يعجز عن بلوغ المثال، فينسج خيال درامي انتقامي أناني بُكائي يبالغ في المشاعر السيئة، ولا يخطر بباله نبلاء ولا شجعان ولا منكرين لذاتهم، خيال مهزوم مقهور يتعلل بالضعف والحاجة ليبرر فساد الضمير والتضحية بالشرف، ويكرر جُمَل سلبية قليلة ووضيعة مثل «الظروف اقوى مني – أنا أربي كوم لحم – أنا بشر من دم ولحم عايز أعيش».
خيال يلقن الناس أن الأصل في الناس الوغدية والأنانية، في حين أنَّ وظيفة الإعلام نشر القيم وزرعها في خيال الناس، وليس الترويج للشر والضعف وتبريره وتحسينه في ضمير الناس.
