اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت
محمد محمود غدية

دأبت على ترك الشرفات والأبواب مشرعة، لينفذ منها النور والمطر، تتأمل القمر وهو يسكب فضته على ظلمة الحياة فيضيئها، قطعت المسافة من بيت أسرتها الى سجن الزوجية، أو كما يسمونه بيت الزوجية مسافة ألف يوم
رغم الجوار.
زوجها الأهل بمن لا تحب، ووضعوا في يديها الأصفاد ولاصق على الشفاه، يمنعها من الكلام.. تكلمت وتمردت دون جدوى، تبتلع الدمع والقمع، وتعيش مثل جميع المسجونات، خلف شرفات الوجع، تشعر بالضيق ورحابة المكان تضيق بها، تحولت الى امرأة عاطلة من الشباب، حين تخلد الى النوم، لا يبقى لها سوى ضوء مصباح مشنوق في سقف غرفتها، وحلمها الرمادي الذي لا يذهب، والمرارات التي تشتبك معها كل يوم، وتتجرعها رشفة رشفة.
تأكدت بعد تجربتها الغاطسة في السواد، أن الزواج يعني النوم مع العدو!
تطل من شرفات الوجع، لم يعد الصباح طيبا ونبيلا، أصبح باردا وضارباً إلى صفرة مغبرة يحجب الناس والبيوت، ويسيطر على المدينة المقفرة.
تقلب في الذاكرة ما خطه حبيبها، في كشكول المحاضرات الذي استعاره منها: في زحمة الوجوه لا يغيب وجهك المفعم بالصفاء، في زحمة العطور، لا يضيع عطرك الشفيف بالنقاء، يمسك بي سحرك الفواح في الأرجاء والأنفاس والأصوات والأشياء.
تحاول جاهدة لملمة تذكاراته التي مازالت تقطن دمها، تحلق معه حيث النجوم البعيدة، وأغاريد المساء الحالمة، لا تريد العودة الى طرقات الخريف، وقناديل الدموع النازفة، تريد ان تغادر وتمضي الى اين لا تدري؟
تنهدت.. تندت عيناها بغلالة رقيقة من دمعة تلمع ولا تنفرط، بعد قليل تعاود الاعتيادية والملل، مع زوج لا يهتم في الحياة الا بملء معدته التي اصبحت كالبالونة الموشكة على الانفجار.
لن تكون في حاجة الى الطعام الليلة، ولديها من الألم ما يكفي لتمضغه.
الثوب الرمادي
تعبث في الذاكرة، تفتح حقائب الشجن، وتكتب بمداد الدمع، فتغرق أحداقها في غطيس من السواد، كأنها تعد راحلة المساء، كل يوم تتجرع الفقد، مسحورة ومجذوبة ليديه وصوته الهامس وعبقه، تتأمل قدها الفتان وهو يوشك أن يغادر هيكله، متى تحط العصافير فوق لبلاباتها، لتعيد ترتيب الفصول التي اختلطت في ناظريها، وهى المطوية طول الوقت، مثل جنين في بطن أمه، مازال جسدها مبتلي بالوجد، تتوسل للملاح الغائب أن يعود، ليعيد بناء مركبها الذي تحطم، بعد أن قذفت به موجة عاتية غير رحيمة، نحو شاطئ مجهول، يضمد جراحات الأيام، وعذابات وشرور البشر الذين يحملون في داخلهم خرابا بحجم الكون، ويمسح حطام الزمن وركامه، وانكسارات الحياة، يخرجها من هذه الفقاعة الكبيرة، التي تعزلها عمن حولها، ويخلع عنها ثوبها الرمادي، خذلها الموت حين حاولت الانتحار، بتناول كمية من الحبوب المدمرة، اكتشفت انتهاء صلاحيتها، امتقع وجهها وغامت عيناها، وبردت أطرافها وارتعشت، حين تذكرت سنوات عمرها التي تساقطت كأوراق خريف ذابل، تحتاج للكتابة التي عاندتها، في تكثيف الحزن لا زحزحته، الذاكرة موبوءة بالصدأ، مثقوبة بخيبات الحلم، تنتحب في صمت، سرعان ما يتبدد ويتحول الى ما يشبه قرع الطبول الأفريقية، وسط دروب معتمة وأبواب موصدة وجدران باردة، كل يوم ترتشف كؤوس الهم حتى الثمالة، كلما همت بإغلاق الباب دونه، يسألها عن لون بنطاله وربطة العنق، وشكل قميصه ونوع حذائه، تأتيه بمعطفه وضحكة عينيها يرتديهما ويمضي، في المساء تخلع عنه المعطف وتمسح حبات المطر المنثور بشعره، لحظتها لم تخفض بصرها عنه، تكاد تلج حدقتيه الغارقة في الصفاء، فجأة تجمدت أطرافه، وتطايرت أبخرة لم تألفها، اخترقت القفص الصدري الى المريء، ومنها احتقن الوجه، ليسقط على الأرض وسط دوامات من الصمت المطبق، وتنهار صلابتها تحت وطأة الموت المفاجئ والاستسلام للانكسار.