اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي
عانت الشعوب عبر التاريخ من تداول سيطرة الإمبراطوريات عليها، تجتاحهم جيوش إمبراطورية، ثم تمر سنوات ضَعْف فتزيحها إمبراطورية أخرى منافِسَة، ومثال ذلك منطقة الشام والعراق التي تداولتها الفرس والروم عدة مرات إلى أن حل مكانهما الإمبراطورية الإسلامية. كانت الإمبراطوريات تتحكم في الشعوب والأفراد من أعلى، وكان للناس قدر من الحرية كبير مقارنة بما لدى شعوب اليوم.
كان الفرد يقدر على الانتقال من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بين الامبراطوريات دون عائق، ويستطيع الاستقرار والعمل في أي مدينة، قد يبدأ إنسان حياته في الصين ثم يحدث فيها ما يعكرها ويجعلها مستحيلة، فيسهل الرحيل إلى بقية الأرض ليبدأ حياة أخرى مع شخصيات لم تعرفه، يحمل تجربته الأولى على ظهره، ويستعين بها وبدروسها في سلوكياته في الحياة الثانية، يصبح كأنه ولد من جديد بلا ماضي ولا ذنوب، هذا النوع من الحرية سُلب من الجميع، ولا ننتبه له، فبطاقة الهوية والموبايل (الجاسوس) وبقية أوراق الانتماء التي نفتخر بأنها ثمرة التقدم الحضاري، ما هي إلا “كلابشات” تًطْبق حول «أيدينا وأرجلنا ورقابنا وأبصارنا وعقولنا وخيالنا…. بل وأراوحنا»، الكلابشات تُعَقِّد وتُقَيّد الحياة، ومفاتيحها ليست بأيدينا، بل بأيدي الدول ذات الحدود الصلبة، أصبحت الدول مثل البيوت الزجاجية، لكل بيت مسئول، والمسئول الأكبر يسيطر على كل البيوت في كوكبنا، وتنتهي سلسلة السيطرة إلى الصنم المتأله «ماما أمريكا»، وبهذا يكون أفدح وأول ما سُلب منا هو حرية التنقل، وحرية الذوبان في الناس.
اليوم أنت تتحرك داخل البيت الزجاجي الشفاف، بلا ستر، مرصود بلا حدود، لقد وقعت في الفخ، لهذا فنصيبك من الحرية في تلك الدنيا، أصبح ضئيلا ومشروطا وربما متوقفا على قرار غيرك، فأنت مسجون داخل سلسلة أقفاص معنوية صلبة، ولهذا لا تستحق أن يطلق عليك لقب حر أو شبه حر أو بعض حر.
***
في الماضي كان الإنسان حرا في نفسه، يدرس في الكتاب، «يشتغل بالفلاحة، يمتهن حرفة يدوية، يؤجر جهده لآخر مقابل مال»، هذه الحياة تمنحه نعمة الشبع من لبن أمه وحنانها، ومن توجيه المجتمع والأهل، لو قمنا بالمقارنة بين شخصية مَنْ سَلَك سبيل التعليم من «كي جي ون» إلى الجامعة، وبين من خرج مبكرا من الدراسة ليعمل في حقل أو ورشة، لوجدنا الذي خرج من التعليم مبكرا يمتلك قَدْرا من النضج والمرونة والخبرة وقوة الشخصية، فالذي خرج ليشتغل “بلية” في ورشة، قد يكون عانى قهرا وضربا من الأسطى، لكنه تعلم شيئا محددا يستعين به كوسيلة مباشرة للحياة والارتزاق، ونال خبرة بالحياة والناس، أما التلميذ، المطحون بين الكتاب والأستاذ، يتوه بين مواد عشوائية، ويُقهر ويُرَوَّض في كل خطواته التعليمية، يعاني التمييز والتحامل والتكبر وانعدام القدوة، وبمرور الأيام والأعوام يتشوه خلقيا ونفسيا وقيميا.
***
يقول المستشار الدولي في التعليم والمدارس المبدعة « كين روبنسون»: «التعليم الرسمي متأثر بنموذج الثورة الصناعية الذي نشأ في القرن الثامن عشر، والذي يتلخص في خطوط الانتاج بالجملة، تدخل الخامات من جهة وتخضع لعمليات متتالية تنتهي بمنتج واحد متطابق، فمصانع السيارات تنتج ملايين السيارات المتطابقة، وكذلك كل المصانع باختلاف منتجها، وهذا بالضبط ما يتم تطبيقه في العملية التعليمية، يدخل الأطفال الماكينة التعليمية بكل مراحلها ووسائلها وأدواتها، يخضعوا لنفس المنهج الدراسي الواحد، ويتخرج منتج واحد بلا اختلاف، يتلقى الجميع نفس المعلومات والأفكار والتجربة والأفعال وردود الأفعال، فالتعليم ينجز مهمة دفن المواهب وقتل الفضول وتبلد العبقرية وتشرب الطاعوية»
«في هذا النموذج قوالب ونمط واحد، بينما في نموذج الثورة الزراعية، لا تطلب كل بذرة إلا تهيئة الجو العام لها على أن تترك لقانونها الخاص لتعطي ماهيتها وبصمتها الخاصة، وتتمتع بحظها من شفرة الروح فيها، أرواح جديدة مختلفة وبهذا نحافظ على العبقريات من الضياع ونُسَرِّع من وتيرة تقدم البشرية وسعادتها».
تؤكد الدراسات أنه بسبب التعليم الحديث وخاصة عند العرب، يتراجع منحنى العبقرية بين الأطفال حتى سن الثانية عشر، وذلك بسبب نمط التعليم الذي يقتل الفضول ويطفئ وهج العبقرية.
يقول «برتراند راسل»: «البشر لا يولدون أغبياء بل جهلاء، ثم يصيرون أغبياء». يقصد أنَّ عملية التغبية، يقوم بها التعليم الرسمي للدول. ويؤكد ذلك الآية «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، النحل (78).
يقول «فوكوياما»: «التعليم الرسمي للدول يهدف للسيطرة، فالسيطرة على المتسائلين والفضوليين صعبة جدا، ولكنها سهلة على المُقَوْلَبِين والنَمَطِيين، وهؤلاء يصنعهم التعليم، فيكفي الاشتغال على واحد لكي يكون نمطيا، لتطبيق نفس الشغل على مليون، ويصبح الكل قطيعا».
ويكفي دليلا على فشل هذا النمط من التعليم الرسمي، ما في البشرية من طائفية، ومخاوف حقيقية من التهور بتدمير العالم الذي يمتلك أسلحة هائلة، فخلاصة العصر الحديث «سوبر ذكاء وأدوات وخطط ومكر، ولكن منزوع الحكمة، والذكاء بدون الحكمة يعني دمار.
***
في الماضي وحتى وقت قريب، كان الإنسان حرا في اختيار كيفية إدارة يومه وأفكاره وأشواقه، وحرا في اختيار هواياته، وحرا في التواصل مع الناس بلا قيود. انظر اليوم إلى نمط حياتك، سوف تدرك أنك تعيش داخل البلورة السحرية، تحيا يومك وعمرك كله أمام شاشات، كأنك تجلس بين يدي الحلاق، تعطيه رأسك ليفعل به ما يشاء، تمنح الشاشات حواسك كلها، «السمع والبصر والغريزة والمشاعر والفكر»، تقوم البلورة بغسل وشَطف وكَي وتجفيف عقلك ووجدانك وكل ما تحتويه نفسك، أنت واقع تحت احتلال فردي وجماعي لم يحدث في التاريخ من قبل، تظنها جنة الدنيا وهي «الجنة الشريرة»، لست وحدك المحتَل؛ كل نَسْلك سوف يرث هذا الاحتلال، أولادك يولدون من رحم الأم الطبيعي ليسقطوا في رحم الشاشة السحرية، ألعاب تستغرق ساعات طويلة، تمارس جماعيا، يلعبون مع أسرى مثلهم من كافة بلاد العالم، التواصل الكارثة، فبدلا من أن نتبادل الأفكار والمعلومات والمشاعر والتجارب، نتواصل لنلعب، وأكبر خسارة هي التقوقع داخل الشاشة والعزلة الشعورية والفكرية عن الأسرة والجيران والعالم كله.
لا يكفي أن يتخذ رب بيت قرارا بمقاطعة تلك الشاشات أو بترشيدها، الأمر أصبح طوفانا مجتمعيا، ولا يقاوم إلا من المجتمع والحكومات، هذا شغل الأسرة والإعلام والفنون والمدرسة، وللأسف كل هذه الأدوات تشتغل لتكريس سيطرة البلورة وليس لتقليل جاذبيتها وترشيد استخدامها، بحيث نحظى بالفائدة والمعرفة والحكمة ونجعل النصيب من الترفيه معتدلا.
***
مما سبق عرفنا أننا لم نعد أحرارا في الانتقال المكاني ومسارنا التعليمي والوظيفي واستغلال وأوقاتنا، وأُجبرنا السير على قضبان حديدية يصعب الخروج عنها، هذه نماذج لثلاثة أنواع من الحريات المسلوبة التي لم تترك للإنسان فرصة الحياة التي تمتع بها آباؤه، وهذه الحريات المسلوبة السبب في أننا سُلبنا أيضا الإحساس بالنعمة والتقدم الأسطوري في جميع المجالات، فلو تخيلنا «هارون الرشيد» في زمانه، لوجدنا أنَّ الفرد اليوم يملك من الوسائل ما يفوق الرشيد كثيرا، فلدينا البلورات السحرية التي تصلنا بالعالم كله في نفس اللحظة، ولدينا الإمكانات العلاجية التي تشفي وتخفف الآلام، وتضع قلبا مكان قلب، بل وربما غدا تضع دماغا مكان أخرى.
في عهد الملك هنري الثامن ملك انجلترا، ظل طوال عمره يعاني من صديد في فخذه بسبب جرح، ظل يقاوم تقيحه حتى توفي، وكان من يقترب منه يشتكي من رائحته، فالمضادات الحيوية لم تكتشف وقتها.
اليوم زادت الأعمار وتوفرت أسباب ووسائل المتعة بلا حدود وفوق الخيال، ولكن، كيف لا نشعر بهذه النعم ويتمنى معظمنا لو أنه ولد في زمن آخر ومكان آخر، أصبح الأمر أشبه بمن لديه ماكينة معقدة تستطيع إنجاز مهارات بلا عدد، ولأنه يعجز عن استعمالها، يحن إلى العودة للأدوات القديمة الساذجة.
كيف يكون شعور من يتحدث مع زوجته عن سلعة ثم يفتح الموبايل ليجد أمامه عشرات الإعلانات عن هذه السلعة! هل يفرح لهذا اليسر؟ أم يفزع من هذا التجسس؟
هذا المثال من أمثلة كثيرة، يوضح سبب اختلاط مشاعرنا وحيرتنا، فنحن نعجز عن معرفة مشاعرنا الصحيحة أمام هذه الوسائل، وربما يزيد من تضاعف هذا الاضطراب عندنا نحن العرب أننا مستهلكون لهذه الأدوات ولسنا منتجون، وهنا يكمن سر مشاعرنا التائهة.
