رائحة الموت

رائحة الموت

سحر علي النعيم

اللوحة: الفنان النرويجي إدوارد مونك

في رواية الغابة النرويجية استوقفتني صفحة، قيلت سطورها على لسان الشخصية الرئيسية «تورو واتانابي» كلمات أعادتني إلى فكرةٍ ما، كثيرًا ما تمسكت بها لأطرد فزعي من فكرة الموت! الموت موجود، لا بوصفه نقيضاً للحياة، بل بوصفه جزءاً منها. 

إنها عبارة متواترة تترجم إلى كلمات، لكني في ذلك الوقت لم أعشها كمجرد كلمات، بل كرابطة تشدني إلى ذلك الجو في داخلي. 

الموت موجود في مثبتات الورق، في الكرات الأربع الحمر والبيض على طاولة البليارد، ونحن نواصل العيش فيه ونتنفسه في رئاتنا مثل غبار نقي. حتى ذلك الوقت، كنت أفهم الموت بوصفه شيئاً منفصلاً تماماً ومستقلاً عن الحياة. 

شعرت أن يد الموت محكومة بأخذنا، لكنها حتى يحين موعد وصولها لنا، تتركنا وحدنا بلا مساس. بدت لي هذه الفكرة حقيقة بسيطة ومنطقية. الحياة هنا، والموت هناك. وأنا هنا، ولست هناك.غير أنني في الليلة التي مات فيها كيزوكي، فقدت القدرة على رؤية الموت والحياة بمثل هذا الوضوح البسيط، لم يكن الموت نقيض الحياة، كان دائماً هنا في داخل وجودي، دائماً هنا، ولن يسمح لي أي صراع بأن أتناسى وجوده، وحين انتزع الموت كيزوكي ذا السبعة عشر عاماً، تلك الليلة في مايو، انتزعني معه أيضاً.

عشت طوال الربيع التالي، في الثامنة عشرة، مع تلك الرابطة في صدري، لكنني كافحت باستمرار حتى لا أكون جاداً، الجدية لا تعني مقاربة الحقيقة مهما كانت غامضة، لكن الموت كان واقعة حقيقية، جدية، مهما كانت نظرتك له. 

أخذ هذا التناقض بخناقي، وجعلني أضيع في دوائر لا تنتهي، حين أنظر إلى تلك الأيام الآن، أجدها أياماً غريبة، ففي خضم الحياة، كان يدور كل شيء حول الموت.

كنت أرى الموت بعيدًا كأي إنسان لم يفقد عزيزًا، ولم يجرب بكاء الرحيل الأبدي سوى في سطر من رواية أو مشهد في فيلم كرتوني، أذكر كيف بكيت في وداع ريمي للعم فيتالس: «ريمي أشعر أني لن أعيش طويلًا، أظنك ستصلين إلى باريس وحدك.. كلنا سنموت لا أحد سينجو لكن الموت لا يعني أننا سنفترق، “روزينا” لقد أحببتها أكثر من نفسي وبعد أن مرضت وماتت ظننت أنني سأفارقها إلى الأبد، لكنها ما تزال حية في قلبي يا ريمي، وأنا أيضًا سأحيا في قلبك بعد أن أموت، إياكِ أن تضعفي يا ريمي فهذه الحياة صعبةٌ جدًا، ولكننا يجب أن نؤدي رسالتنا، “جوجو، وراموس” ماتا وسألحق بهم الآن».

وكذلك انهمرت دموعي في مشهد وداعيّ آخر لجثة بائعة الكبريت الملقاة على الثلج، والتي حاولت فيها سبيستون استبدال كلمة الموت بكلمة أخف وطأة:”هدأ الصوت وساد الصمت، وغفت بائعة الكبريت”، إلا أني كنت مدركة حينها لحقيقة موتها. 

لطالما كنت هنا، وكان هو في الجهة الأخرى من العالم هناك، لكني شعرت بأنه لم يكن بذلك البعد، في اليوم العاشر من غيبوبة صديقي، وبالفعل اتضح أنه شعور صادق؛ فقد انتزعه الموت بعد ذلك اليوم، وانتزع معه نسخةً مني كانت سعيدة، أو ربما أكثر بهجة مما أنا عليه الآن، مرت الأعوام ومشاعري نحو الموت ما زالت لم تتغير كثيرًا، أراه كعباءة سوداء ممتلئة بدخانٍ كثيفٍ رماديّ دون رأس أو جسد، يحمل عصًا خشبية متعرجة تبدو ثقيلة، تنبعث منه رائحة ليست بكريهة لكنها شرسة يُصعب استنشاقها، يحوم الموت دائمًا حول البيت، يختلس النظر من النافذة لكنه لا يتمكن من الدخول أو ربما هو من لا يريد! إلى أن حلت تلك الليلة، والتي فقدت فيها والدي، وفقدت كذلك فيها شعوري المعتاد نحو الموت، لم تتمكن تلك العباءة من الدخول فقط إلى البيت بل تمكنت من الدلوف والاستلاء على عقلي، أصبح الموت رفيقًا لأفكاري للحد الذي جعل من نظرتي للحياة تبدو كـ نظرةِ عجوزٍ في آخر أيامها، لكنها تدّعي أمام المرآة أنها متمسكة ببقايا شغفٍ من الماضي ما زالت لم تعشه! منذ تلك الليلة ورائحة الموت لم تفارق الحياة بأكملها، نشتمّها في كل مكان.. على الأرصفة، وبين صفحات الكتب، على شاشات الهاتف، وحتى في أحلامنا. ربما أنا الآن أدرك ما كان يقصده “تورو واتانابي” عندما قال حقيقة إننا نتنفسه في رئتنا مثل غبارٍ نقيّ، وأنه في خضم هذه الحياة كان كل شيء بالفعل يدور حولك أيها الموت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.