اللوحة: طه حسين بريشة الفنان المصري محمد أبو طالب
د. عوض الغباري

عاش طه حسين حياة حافلة بالإخلاص والتفاني والعمل الجاد، والفكر الأصيل، والإبداع الرائع في سبيل تحقيق رسالته التنويرية، وإصلاح المجتمع المصري من كل الوجوه، شأنه شأن رواد المصلحين المستنيرين في كل زمان ومكان.
آمن عميد الأدب العربي بحرية البحث العلمي، وباستقلال الجامعة، وربطها بحاجات المجتمع، ورفاهيته ماديا وإنسانيا، ورفض التقليد والجمود في كل الأمور، ودعا إلى إصلاح اللغة العربية، والتعليم والثقافة، في إطار منظومة شاملة عمل على تحقيقها بدأب وإصرار، وخاض في سبيل ذلك معارك ضارية، أوذى بسببها، ولكنه خرج منها منتصرا.
تعددت مجالات فكره وإبداعه معتدا بأصالته المصرية العربية الإسلامية بأفق رحب انفتح على الثقافة العالمية التي رفدته بمعين لا ينضب من التجديد في البحث الأدبي والإبداع الفني تجلى في صياغاته الرائعة من إملاءات أو أحاديث أسرت الألباب بإيقاعيتها المحببة إلى النفوس، وأثرها البالغ في الوجدان والعقول. حلق أفقه الرحب، وخياله الخصب في مدارات فتحت الباب واسعا لحوار حضاري خلاق، ارتكن فيه إلى أصالة الفكر العربي وروعة الأدب العربي والحضارة الإسلامية والوطنية المصرية.
وتجلت هذه المصادر المكوِّنة لشخصيته الفذة من روافد عربية وغربية منذ حصوله على الدكتوراه في أدب أبى العلاء سنة 1914، متماهيا معه في تفرده، متأسيا به في قوله:
ويوجد بيننا أمد قصي
فأموا سمتهم وأممتُ سمتي
وتجلى اهتمامه بقضايا المجتمع مع حصوله على الدكتوراه من جامعة السربون في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وعمادته لكلية الآداب بالانتخاب سنة 1930، وكان أول عميد مصري لها، وعضويته للمجمع اللغوي سنة 1940، وتعيينه وزيرا للمعارف سنة 1950، وحصوله على جائزة الدولة التقديرية سنة 1958. كما كُرِّم بحصوله على قلادة النيل، مع تأسيسه لجامعتي الإسكندرية وعين شمس، وكان له الفضل في مجانية التعليم، وفتح الباب لتعليم البنات، ورأى أن النهضة الحديثة لابد أن تقوم على التراث القديم، بعد نقده وتمحيصه، وتميز بثقافة موسوعية، وكان لسيرته الذاتية في كتاب الأيام صدى كبير عربيا وعالميا، وتميزت لغته بطابع قصصي رائع في كتاباته العلمية.
وطه حسين رمز مصري أصيل، جدَّد البحث العلمي، وجسد القيم الجامعية، وتفرد أسلوبه كنزا لغويا يدور في إطار الأصالة والمعاصرة.
اهتم بتعليم اللغة العربية، وإصلاح التعليم وسيلة وغاية لنهوض مصر على كل المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية. دعا عميد الأدب العربي إلى الاهتمام باللغة العربية لغة للثقافة، ومثلت رؤاه الفكرية مشروعا متكاملا للنهضة الوطنية. أخلص في أداء رسالته التنويرية لخدمة مصر وجامعاتها، وقدم عطاء امتد إلى نصف قرن من الزمان، يشهد بأنه من رواد نهضة مصر، وإرساء الأسس العلمية الحديثة في البحث الأدبي. وجسدت أفكاره التربوية مثاليته وطموحه من أجل بناء الإنسان المصري متسقا مع حضارته العظيمة في تفاعلها مع الحضارات الأخرى.
وهناك تفاعل بين العبقرية الفردية لطه حسين وبين الجهود الإصلاحية للشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي والعقاد وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين، إضافة إلى السياسيين العظماء كسعد زغلول ومصطفي كامل، وغيرهم من الكوكبة الرائدة التي سعت إلى تلبية طموح المصريين إلى النهضة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
أما دعوته إلى التأسي بالغرب تحقيقا للنهضة في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” الذي ألفه سنة 1938، فلم يكن دعوة إلى التبعية للغرب، وإنما كان الهدف منه مسايرة مصر لركب التقدم العالمي، تشمله رؤية إصلاحية في فكره وإبداعه الغزير المتنوع.
رأى عميد الأدب العربي أن النهضة الغربية الحديثة قامت على أساس الاهتمام بالحضارة اليونانية واللاتينية القديمة، وكان قد درس هاتين اللغتين. ودعا إلى تأسيس نهضة مصرية حديثة استناداً إلى التراث العربي القديم مصدرا من المصادر المكوِّنة للشخصية العربية الحديثة في وعيها بماضيها المستنير، ووعيها بحاضرها الجديد في إطار من التوازن للشخصية المصرية في ماضيها وحاضرها المستشرف لمستقبل واعد برقى الحضارة والفكر وتحقيق دور مصر في المنجز الحضاري العالمي دون إحساس بالدونية أو التخلف عن ركب الحضارة الحديثة.
إن الحضارة المصرية، كما قدمها طه حسين، رافد من الروافد المكونة للوعى الأوروبي، ولذلك فإنه رمز للحركة الوطنية الحديثة، وقد ربط الجامعة بالالتزام الوطني، ورأى ضرورة التحام الدين والأدب والعلم والفلسفة والسياسة في نسق حر يؤدى إلى قيادة الفكر الحديث والإصلاح الثقافي، وتحقيق الهدف من نهوض مصر على أسس عقلانية تنويرية.
ووسيلته في ذلك شجاعة في الرأي، وجرأة في الفكر، وعبقرية منهجية في البحث العلمي، وقوة في الإرادة، وتصور دقيق لمنظومة تجديد في الفكر والسياسة والفن والثقافة والأدب، تقوم على الانتصار للجديد، المحقق للرقى العقلي، والكرامة الإنسانية. وتقوم شخصيته على حب الحق والبحث عنه، والرغبة في المعرفة، والحرص عليها، والإقبال على العلم من حيث هو، وتفاعل الآداب والمناهج العربية والغربية، وبسمات تميز شخصيته الفذة في شموخ للمجد، وذيوع الصيت، وتحر لمنهج الحياة، وموضوعية، ومنهج في البحث قائم على النقد العلمي، ومنهج فلسفي في نقد الأدب، وشك منهجي بحثا عن الحقيقة، وذكاء وقاد، وريادة ثائرة.
لقد استقر طه حسين؛ عميد الأدب العربي في الوجدان والقلوب والعقول، مما يدفعنا إلى إدراك الحاضر واستشراف المستقبل نحو غد أفضل.
إن حياة طه حسين تجسيد للإرادة والتصميم والاعتداد بالذات والمضي في الطريق رغم العقبات مع تسخير المنجز الفردي للصالح العام، والإخلاص للرسالة المؤدية إلى سعادة الفرد والمجتمع.
وإبداع طه حسين متسق مع إنتاجه العلمي الغزير، وترجماته المؤثرة في الفكر العربي الحديث، وسعيه الدءوب لإقامة جسور من التواصل الخلاق بين حضارة الشرق وحضارة الغرب.
وطه حسين رائد التنوير في العصر الحديث، ذلك لأن مسيرته الفكرية قامت على مناهج علمية تأثرت بتطور العلم في أوروبا، وقد تعلَّم في جامعة “السوربون” بفرنسا، وهي أكاديمية علمية لها مكانتها الكبيرة.
وقد توخى طه حسين الطريق الصعب مجدِّدا للدراسات الأدبية، ومثيرا للحراك الثقافي الراكد في أصالة تستمد جذورها من الحضارة المصرية العربية الإسلامية.
ومؤلفات طه حسين متنوعة غزيرة بين الفكر والنقد والإبداع، ومنها نستشف جوانب ثرية من شخصيته الإنسانية. ففي سيرته الذاتية في كتاب الأيام، مثلا، برهان على عقيدته الراسخة في تحدى ظروفه القاسية، وقد فقد بصره، لكنه لم يفقد انتماءه وحنينه إلى القرية المصرية التي نشأ بها، وارتبط بعالمها مع حياته في فرنسا أثناء رحلة العلم في ربوعها. ومؤلفاته الإسلامية نابضة بالروح الدينية المتأصلة في نفسه، وقد بدأ حياته العلمية في الأزهر الشريف، حافظا للقرآن الكريم في كُتّاب القرية.
وكان إلقاؤه العذب في المحاضرات الجامعية يجذب شباب الطلاب للاستماع إليها بشغف واهتمام واستمتاع.
كما كانت مقالاته في الصحف المصرية مثاراً لحب القارئ للأدب العربي، خاصة في “حديث الأربعاء”، وهو كتاب مجموع من هذه المقالات.
ويتميز طه حسين بمؤلفاته التي يصوغها بأسلوب أدبي، وهو أروع كاتب عن أبى العلاء المعرى، وقد أحبه لأنه كفيف مثله، وكتب عنه عدة كتب تعد مثلا رفيعا للدراسة النقدية الإبداعية.
فقد وجد فيه نفسه، إذ يصفه في كتاب “صوت أبى العلاء” بأنه “كان عفيف النفس والخلق والرأي والعقل جميعا”.
ورأى طه حسين أن المعرى أديب فذ، فيلسوف شاعر إنسان لا نظير له.
وقد نجد بعض هذه الصفات في طه حسين كاتبا مفكرا ناقدا مبدعا متحدِّثا قل نظيره في العصر الحديث.
كذلك فما لقيه أبو العلاء من شدة أدَّت به إلى التشاؤم صقلت عظمته، وهذا ما نرى طلاله من مواجهة طه حسين لظروفه الصعبة وقهره لها وللظلام. ومن البراعة الفائقة لطه حسين أنه استخلص شخصية المعرى وعبَّر عنها بصوته نيابة عنه، فأبدع أيما إبداع، وقدَّم إلينا عملا نقديا فكريا إبداعيا من طراز فريد.
إن هذا “الفتى” طه حسين كما بدا في سيرته الذاتية في كتاب “الأيام” ليتحسس حياته في القرية المصرية وقد حفَّها بأعظم ذكرياتها دالة على رهافة شعوره، وعمق أفكاره، وتعلقه بمفردات هذه الحياة في بكارتها وبساطتها، وقصصها الشعبية وثرائها الإنساني.
وكتاب “الأيام” مقدمة لهذا الخيال الإبداعي المتدفق في روايات طه حسين، وقد حفلت بعالم قصصي متميز.
ولعل خطاب طه حسين إلى ابنته يكشف عن معلم من معالم شخصيته الإنسانية مشفقا عليها لو عرفت كيف عانى من البؤس والشقاء عندما كان طفلا في سنِّها باذلا “من الجهد ما يملك وما لا يملك”، متحملاً من المشقة ما يطيق وما لا يطيق” ليضمن لها حياة أفضل من حياته. لا تظهر على وجهه ظلمة المكفوفين، لا يشكو، ويعيش محروما “لا يكاد يشعر بالحرمان”.
تلك هى النفس القوية في جدلها مع الضعف، فبدَّله من البؤس نعيما، ومن اليأس أملا، على حد تعبيره الجميل في كتاب “الأيام”. والإنسان يموت، لكنه يحيا بما ترك من آثار صالحة، وقد ترك طه حسين وراءه مدرسة نقدية فكرية أدبية تمثلَّت مراياها في تلاميذه المباشرين وغيرهم ممن تأثروا بشخصيته العلمية.
كذلك امتد أثره في الطموح إلى جعل التعليم وسيلة وغاية للحاق بركب العلم الحديث كما صوَّره في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر”. وتمثل أثره في استكمال جامعة القاهرة، التي كان من أعلامها، للريادة في تطوير التعليم الجامعي، وبروز طائفة من علمائها العالميين في التخصصات العلمية المختلفة.
كذلك ارتبط إبداعه بالوجدان، خاصة في تحويله إلى أعمال فنية، كما في روايته الرائعة “دعاء الكراون”. وتتجلى روح طه حسين، أيضا، في كتابه “المعذَّبون في الأرض” الذي قدَّمه إلى الذين يشتاقون إلى العدل.
ويعد كتاب “الشعر الجاهلي” أكثر كتب طه حسين إثارة للجدل، لكنه قام في أساسه على حقيقة أن هذا الشعر كان تجسيدا للحياة العربية في تجلياتها الأدبية والتاريخية والاجتماعية والعقائدية المختلفة، وهى حقيقة مستندة إلى المقولة الشهيرة “إن الشعر ديوان العرب”.
كذلك تجلت الرؤى النقدية لطه حسين في تناوله لبعض النتاج الأدبي متمثلا في كتابه: “من أدبنا المعاصر”.
ففي القصة يرى أن أجودها ما يخاطب القلب والشعور والعقل والضمير.
وينسحب ذلك على الأدب عامة، كذلك يولى الأسلوب الأدبي الرفيع، وهو إمامه، اهتماما كبيرا في العمل الأدبي.
أمَّا الصورة الأدبية فهي عماد الأدب، ويجعلها طه حسين مؤثرة في النفس مغرية بالأمل والعمل.
وذلك أمر صعب لا يواتي إلا الأصلاء من الأدباء الجادين الذين يبحثون عن التفرد والابتكار، من أصحاب الفن والأدب الذين يطمحون إلى البقاء والخلود.
وهكذا يكون الأدب الحق الصادق.
ويصدر طه حسين في تلك الرؤى النقدية عن روح كاتب مبدع مصلح معلِّم مصوِّر للحياة المصرية تصويره لمعالم الثقافة والفن والأدب الغربي.
وكان طه حسين ميالا لتجديد الأدب العربي المعاصر، وحق أدبائه في أن يذهبوا فيه المذاهب التي “تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صُوِّرت فيها نفوسهم”.
فالشعر، كما يرى، صدى للقلوب والنفوس والطبائع، كما أنه نزوع إلى التطور والتجديد منذ أقدم العصور في تاريخ الأدب العربي. ومفهوم الأدب يتمثل عند طه حسين “في الكاتب الذي يفرغ لمعنى من المعاني فيطيل به التفكير.. ثم يجِدُّ ويشقى ليؤدِّيه إلى القارئ في صورة رائعة تبلغ أعماق نفسه”.
والفنون الجميلة – عند طه حسين – هي السبيل إلى سعادة الإنسان وسُمُوِّه.
وقد نظر طه حسين إلى قصة “بين القصرين” لنجيب محفوظ على أنها تبلغ بالقصة من الإتقان والروعة، ومن العمق والدقة، ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يُسبق. ورأى أنها ترقى إلى العالمية، وكانت هذه نبوءة مبكرة لعالمية أدب نجيب محفوظ التي تحققت فيما بعد.
والأديب – في نظر طه حسين- يحتاج إلى التفكر و”إيثار الجمال والصدق حين يشعر أو يفكر”.
والأدب يُقاس بالجمال وتعمق المعاني والآراء، كذلك فالأدب استجابة لحاجات القلوب، والعقول والأذواق.
ولا شك أن طه حسين قد استقطر مفهومه للأدب من موسوعية معرفته بالذوق الأدبي قديما وحديثا، عربيا وغربيا.
كذلك فهو ينظر إلى الأدب بروح الفنان المبدع الذي يملك ناصية البيان العربي في أروع صُوره.
أما طه حسين في عيون الآخرين، فأجلى صورة له قدَّمها “محمد حسن الزيات” الأديب السياسي الشهير، وزوج ابنة طه حسين في كتاب رائع عنوانه: “ما بعد الأيام”، وقد رآه “راسخ العقيدة في أن النصر مكتوب لمن آمن بحقه وبنفسه وجاهد جهاد الصادقين المخلصين”.
وكان طه حسين مثلا للإخلاص والحماس في نفع مجتمعه، مناضلاً في سبيل إرساء دعائم الحق والخير والجمال، كما كان داعيا إلى التحرر والتطور والخروج من أسر الجمود والتخلف الذي تسبب في فقده لبصره نتيجة الإهمال والجهل الطبي في قريته آنذاك.
لم يستسلم لذلك بل بعث الأمل من خلال الألم. تعلمنا من طه حسين “أستاذا جامعيا” الدرس الناقد، والجدة في المنهج، والمثابرة على التحصيل العلمي بأفق واسع، وفكر مستنير.
كما تعلمنا منه هذا التحليل الإبداعي للنص الأدبي، وتذوقه وتأصيله، والحوار الحر في سبيل تحقيق هذه الأهداف. كذلك الاتصال بروافد العلم الحديث، والإفادة منه في صالح مجتمعنا وقضاياه الوطنية.
ويرى طه حسين أن الأوطان “تُبنى بالعلم والعمل في كل ميدان”.
وعن الارتباط بين اللغة العربية والحياة المعاصرة يرى طه حسين أن يلائم بينهما للتعبير الصادق عن ذواتنا.
وعن الهجوم عليه بسبب كتابه عن الشعر الجاهلي، وقلق والده عليه، يقول له طه حسين: “أبى” أنت أوصيتني ألاَّ أصدق كل ما أسمع، وأنا أوصيك ألاَّ تصدق كل ما تقرأ”.
وهذا هو منهج طه حسين الذي لا يستكين إلى الحقيقة التي يطمئن إليها إلا بعد الشك فيها منهجيا دون أن يكون في ذلك متجنيا على الحق، فإن تجاوزه امتلك شجاعة الاعتذار عنه.
وتلك سمات أصيلة نبيلة لشخصية طه حسين العظيم.
دكتور عوض الغباري أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة.