اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت
محمد محمود غدية

ضاق ذرعا بحظه، وهو الميسور الحال، لديه الكثير والكثير مما يحلم به الآخرين، مضاربات فى البورصة، وأرصدة تتزايد فى البنوك، وزوجة تشاركه العيش، بقلب عامر بأسمى العواطف وأنبلها، قلب يحنو ويبذل ويضحي
فى سبيل إسعاد الزوج والأبناء، راعه منها فيض شبابها وسحر جمالها، وتوقد ذهنها واقتران الأنوثة فيها، بجاذبية الفكر الراجح المتزن العميق، دائرة رمادية صلبة تكاد تخنق الأب، وهو يتذكر حياته الجافة الخشنة، فعلت فيه سنوات العمر الشيء الكثير، من جوع وتعب وجهد، حتى وصل الى ما هو فيه الآن، كان لابد أن يتوقف أمام التفاصيل الصغيرة.
الابنة التي كبرت وردودها الجافة، متكبرة عنيدة، ترفض الذهاب الى الجامعة بسيارة موديل العام الماضي، درجات التحصيل الجامعي متواضعة، تعيش اللامبالاة، تحيط بها شلة من الغوغاء، الذين يبددون الوقت، فى أعياد ميلاد يختلقونها من اجل السهرات ورحلات السفاري، لا تمتثل لنصح الأهل، حين واجهها الأب لم تنكر، هى فقط مثل الأخريات تعيش حياتها، فالأعمار قصيرة كالزهور، ما تلبث أن تذبل، والابن صورة بالكربون من شقيقته، فقد تخلى عن دراسة الهندسة، واختار معهد السينما، يقضي معظم أوقاته في سهرات الفنانين التي تمتد حتى خطوط الفجر، لا يكف عن إزعاج والده فى مشاركته لإنتاج أفلام، تدر عليه المكسب والشهرة، والأب مدهوش أمام الملايين التي يطلبها الابن، أربدت السماء غيوما كثيفة، المركب يوشك على الغرق، وضياع الأبناء.
لن يفعل مثل الفئران التي تقفز من المركب عند أول عاصفة، لابد من المواجهة ودفع هذا السيل الجارف، ومغالبة الأفكار المتردية، يتألم وهو يرى زوجته، قد اعتلاها الشحوب، بعد أن كانت مثل الفاكهة النضرة، فرت من حياتهما السعادة تدريجيا، أمام انتكاسات الابن والابنة، تعب الأب وسقط من الإعياء، ليجد نفسه مقيدا بالخراطيم وأجهزة التنفس، صرخ فى زوجته والأبناء: النوافذ المغلقة لا تروق لي، افتحوها لماذا أنا هنا، أخبروني ما حدث؟
الطبيب نادى الزوجة والأبناء خارج حجرة المستشفى قائلا: الحالة تسوء ويحتاج للراحة التامة، بعيدا عن الانفعالات لضررها البالغ.
الأم خلعت من يديها الأساور الذهب، وطلبت من الأبناء بيعها على الفور لسداد رسوم المستشفى، وأضافت أن والدهم خسر كل ما يملكه فى البورصة، والفيلا مرهونة لسداد الديون، سننتقل لشقة متواضعة، الأبناء فى حالة ارتباك وتعثر، قررا بيع سيارتيهما لتعويض بعض الخسائر التى لحقت بهم، انتقلت الأسرة الى الشقة الجديدة، وتعافى الأب، علم الابن من والدته أنه كان سبب فى مرض والده، فعاد الى كلية الهندسة، والابنة هجرت شلة الغوغاء، ونجحت بتقدير جيد جدا أهدته لوالدها، وتزوجت من زميلها.
ثلاث سنوات قضتهم الأسرة فى حياة لينة ليست خشنة، أنجبت الابنة طفلة مثل القمر، الحياة اكتحلت وتعطرت وتزينت وتجملت، بعدها اعتذر الأب للأبناء قائلا: سنعود للفيلا التى لم تكن مرهونة، ولا خسارة فى البورصة، وما قاله الطبيب كان متفق عليه، السيارات ستعود والشقة هديتي للحفيدة، ما فعلته كان لاسترداد أبنائي.