يناير.. ثانية

يناير.. ثانية

اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج

مارا أحمد

في أحد الشوارع الهامة بالقاهرة تسير مظاهرة، كما توابع الزلزال كانت إحدى توابع يناير، وأصوات تطالب بالحفاظ على الديمقراطية وحق الأغلبية في أن يتمسكوا بما قالته الصناديق.

المشاركون في المسيرة عدد ليس بالكبير؛ ففي الطريق من يناير حتى وصلنا إلى ما بعد يونيو سقط من الجموع عدد ليس بالقليل وتفرقت الأهواء وتضاربت المصالح، وظهرت الصفقات والمزايدات والمناقصات حتى خرجت تلك المسيرات يضمها مجموعات ذات أيدلوجية واحدة ورؤية واحدة وطريق واحد.

إذا بطلقات من الرصاص الحي تتساقط فوق الرؤوس، ويتساقط عدد من المشاركين، ليسقط بجوارها شاب لم يتجاوز بعد سن السادسة عشر قتيلا.

تنظر إليه والدموع تنهمر من عينيها، تحاول أن تمد يدها إليه بالمساعدة لعلها تتمكن من إنقاذه من الموت أو الاعتقال، تفاجأت بيد أحدهم يشدها ويجري بها إلى أحد الحارات الجانبية، تحاول أن تفلت يدها من يده، ولكنه كان أقوى، وهي تصرخ:        

– أريد أن أطمئن على الولد، أرجوك اتركني أعود إليه. 

– أرجوك أنت؛ أنا أحاول أن أنقذك؛ لو سقطت بين أيديهم لن تعودي إلى بيتك أو أولادك ثانية.

 رنات متواصلة على المحمول، ترد:

– مسيرتنا القادمة ستخرج بعد صلاة الجمعة.

– أجيبي على سؤالي أولا: هل تعرفين أخبار الشاب الذي سقط بالأمس؟

– لا، ليس من السهل أن نتواصل مع أي ممن تم اعتقالهم أو نقلهم إلى المستشفيات الحكومية؛ فنحن سنكون في خطر، ثم لا يجوز مثل هذا النقاش في الفون، على موعدنا وسنتحدث…

التقت بأحد المنظمين وسألته: لماذا لا تتوقفون وعدد من يقتلون في تزايد وعدد المعتقلين في ارتفاع؟

أجاب: إنه ثمن الجنة. 

– الجنة؟ وهل خلقنا للموت أم للحياة؟ هل حين هبط آدم وزوجه كان ذلك لغرض إعمار الأرض أم لإعمار المقابر؟ أنتم تقدسون الموت وتكرهون الحياة، لقد شاركتكم الثورة أملا في الحياة، لا بحثا عن الموت لي ولأولادي. ولم تقدمون الشباب والفتيات قرابينا وأنتم تختبؤون؟!

– أتتهميننا بالبرجماتية أعوذ بالله؟ لقد ماتت أختي واستشهد أبي وكلنا ندفع ثمن الحرية. 

 – أنا لن أشارك معكم في تلك المذابح؛ فالحكمة تقول: إنه لا بد من الانسحاب طالما كانت هناك هزيمة حتى نستعيد قوتنا ونعيد مراجعة أخطائنا، لكنكم تنتحرون. القاتل مسلم والقتيل مسلم وكلاهما في النار.

أنهت كلامها وانصرفت.

 تنتقل لتشارك الفريق المعارض لذلك الفريق الذي اكتشفت تعصبه وانحيازه الأعمى لفكرة أحادية الاعتقاد، ورفض وتكفير أي منتمي لفكر مخالف لهم، كانت مسيرة تطالب بالعودة إلى الديموقراطية وتحقيق مطالب الثوار: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وكان أفرادها من عناصر متنوعة ما بين الطبقة المتوسطة اجتماعيا والطبقة الأرستقراطية والبرجوازية والراغبين في نظام علماني مستقل يحترم المواطنة بلا تميز بسبب المعتقد الديني؛ فحرية الاعتقاد من حق الجميع وما يحكم بيننا هو القانون، الجميع كان متفقا وموافقا على تلك الطلبات.

وصلت المسيرة إلى الطريق الدائري، ليتفاجأ الجميع بعدد من النساء والرجال الملثمين يتسلقون الكوبري صعودا، فهو يطل على مناطق عشوائية تقطنها الطبقة المهمشة التي يدافع عنها الثوار والتي لأجلها صيغت طلباتها، لتتساقط زجاجات المولوتوف فوق السائرين والحجارة وكأنها انتفاضة أخرى، ولكنها ضد التحرير، ضد العدل، ضد التخلص من الفساد، ضد استقرار حرية القضاء ونزاهة صندوق الانتخابات. 

لوهلة لم تستوعب ما يحدث؛ لم تصدق أن من يضرب بالحجارة والمولوتوف والزجاج هم من نموت لأجلهم، لو كانت الطلقات والضربات والتراشق بالحجارة خرج من النظام ورجاله لكان الأمر مصدقا طبيعيا، ولكن خرج من أهلنا، من هؤلاء المتناسين من كل الأنظمة، المسروقة حقوقهم، هل من المنطق أن تدمر المستقبل لأجل ورقة بخمسين جنيها أو وعد بأن تتحقق مصالحك الخاصة فوق مصلحة الوطن؟ هل يعقل أن تحتلنا الأنانية وتدهس تحت أقدامها المساواة والعدل؟

عادت من المسيرة وقد غطّتها الدموع وغسلت وجهها بالماء الجاري لعلها تستطيع أن تزيل وسخ الصورة التي شعرت أنه التصق بوجهها وعينيها.

لن تتمكن من أن تطالب بأن تعيش كما الإنسان إلا بعد أن تقضي أولا على الجهل والفقر؛ فلا ديموقراطية مع شعب يجوع أكثر مما يشبع، شعب ورث أولوية الخبز على الكرامة والحرية. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.