اللوحة: الفنان البولندي بوليسلاف سانكوفسكي
مصطفى البلكي

لم تحص عدد الرجال الذي اختفوا في شقتها، تركت الإحصاء للجرائد التي تهتم بالنميمة، ولمن يتبع ظلال الناس، واحتفظت بذلك الرجل باسم الثغر الذي عثرت على صورته بالصدفة.
لمحت إعلان ندوته على لافتة أمام المكتبة العامة وهي تقود سيارتها، وقفت أمامها، اعتقلها، وبعد جهد حررت نفسها، وقررت اللعب معه واعتقاله! بحثت عن اسمه في الشبكة، وبعد قراءة مطولة أدركت مكانته، فقررت شراء روايته أونلاين من موقع يبيع الكتب، وبعد جهد أدركت لب الحكاية ومركزها الذي ستصيده منه. اختارت أجمل ما تملك من أردية، تعطرت بعطرها الثمين، لم تنس اصطحاب فتنتها التي بالغت في إظهارها، وسدت بعناية كل منافذ لا تؤدي لاقتناص شيء منها.
في القاعة اختارت ركنًا قصيا، وأنصتت لكل ما قيل، خرجت منها امرأة تعرفها، اقتربت من المنصة وبدأت بالتعليق، جذبت إليها العيون، وفي سلة كبيرة جمعتها، فلما امتلأت عادت لمكانها بصيد ثمين.
وكلما امتد الضجيج حولها، أدركت أن سطوتها بلغت مداها داخل العيون
فعمدت إلى سلاح التجاهل أشهرته بقوة، فلما أعلن عن انتهاء الندوة، ودُعي الجميع لالتقاط صورة جماعية، تقدمت بأناقة مصطنعة، وقفت في الصف الأول، خطفت عيون الكاميرات، وكلما هم من يتحكم فيها بقنص صورة، لا يجد غيرها والضيف، فلما ملوا، جمعوا غزلهم وغادروا القاعة بحسرة كبيرة، وفي الشارع لما تأملوا ما صنعت أيديهم، وجدوا السراب، واتفقوا بأن ما حدث هو كيد سحر بالغ صاحبه في فعله.
وفي الشارع نفسه، تبعت طريدتها، فلما مال إلى مقهى، تبعته وجلست إلى طاولته، نظر فعرفها، فشدت وثاق فتنتها، رأتها كاملة في عينيه، ولتقضي أمرًا أبرمته، حدثته عن عشقها للحكايات، وعن أوراق وضعت فيها حبرها، ومدت الخطوة أكثر وطلبت منه أن يحل ضيفًا عليها في شقتها، لتقرأ عليه ما لديها، لم يعترض على مرافقتها.
بهدوء استدعته، قادت سيارتها حتى بلغت البناية التي تسكن فيها، ولما دخل خلفها، وقع أسير الرائحة، فاستسلم ليدها حينما أشارت إلى مقعد في صالة تجمع بين جنباتها جمالاً لم يعرفه، ثم طلبت الأذن منه لتغير أرديتها، غادرته فظل في مكانه ينصت لنداءات خفية تحيط به، لم يملك قدرة التفسير، فقنع بالمراقبة حتى خرجت عليه في أبهى صورة وأجمل رؤية، حاول الوقوف لاستقبالها فلم يقدر.
بقيت منتصبة في مرمى نظاراته، أخبرته بعشقها لمشهد في الرواية، وحتى لا يضيع الحبل من يدها، كشفت له عن إعجابها بمشهد البطلة لحظة أن أسلمت جسدها لمن تحب فقام بتدليك ظهرها وهي نائمة على قطعة رخام وردية، وبفعلها ملكت بيدها زمام صلة فاقت تصورها، وكما لو كانت تحلم طلبت منه تجربة ما كتبه معها.
شدته من يده، أدخلته غرفة صممت لتكون حمامًا قريب الشبه من الحمامات القديمة، وبتمكن لا مثيل له، تجردت من أرديتها، وأصبحت كاملة بلا حجب، وبحركة خاطفة، استلقت على الرخامة، ولتمنح ظهرها بكامله في مواجهة عينيه.
وبأمر صريح طالبته ببدء عمله، نزع ملابسه، وقبض قبضة من زيت في إناء بجواره، وبدأ رحلته، وكلما هامت أنامله على ظهرها، لمح جزءًا من كتابة يولد، فلما اكتمل المتن، تبدد، انتصبت في كامل نشاطها، ونظرت حولها وعلى شفتيها ترفّ ابتسامة.
وبعد أيام استدعته فعاد من جدار في الشقة، وجلس بين يديها، أخبرته بأنها وقعت أسيرة لطلسم عقده زوجها على ظهرها قبل وفاته لتظل خالصة له، لا يقربها الرجال، وكل من يقترب، تأخذه الكلمات وتبدده ويصبح أسيرًا بين جدران المكان.
ولما سألها عن طريقة الرجوع، قالت له فك عقدة لسانك واكتبني كما عشت معي، رضخ لطلبها، وكلما أحس بالنهاية وجد القصة تعيده لبداية رؤيته لها، فيتذكر مشهدها وقد تحولت لجمرة مشتعلة وهي في مكانها القصي في القاعة، فيضع قلمه ويعود للجدار.
فلما تراكمت أوراقه، جمعت شتات عزمها، وبعود ثقاب واحد أشعلت النار في كل شيء، فخرج من البناية عدد كبير من الرجال كل واحد بداخله أنثى يتمنى لو عاد إليها.