اللوحة: الفنان الإيطالي ماريو سيروني
أوّل الليل
بدّلت بصري بين الأم والابن. بندول ساعة عتيقة كنت أنا بينهما. لم أعتد التطفل على الناس، غير أن المشهد غير المألوف لفت نظري، إذ يكاد الشارع يخلو من المارة. العجوز تسير ببطء على رصيف الشارع، وليدها جوارها على الأرض، تساوت القامتان.
يتجاوران في مشيهما، لكن ثمة مسافة فاصلة ثابتة بينهما، يقترب الشاب، تنفر السيدة منه، تنأى بجانبها للجهة الأخرى حيث جدار مسجد قديم ترعاه يد الاهمال بعنايتها الفائقة. هكذا يتأرجح الاثنان في مشيهما، لم يختلف حالهما عن حالي، إذ كنت أيضًا أتأرجح معهما.
يمد يده ليساعدها، تزيح ذراعه بغلظة. الاثنان صامتان، فقط نظرة حيرة محفورة بعينيّ الصغير، تقابلها الأم بأخرى تحمل غيظًا، غضبًا، خجلَا، رغبةَ في تحطيم الصورة الآنية وردّ عقارب الزمن للوراء، البدء من جديد.
شهدتُ الحدث من بدايته، أتبعتهما ببصري وهما ينحدران في طريقهما. البغضاء والرجاء يتجاوران في لحظة عبثية. ثم غابت الشمس، حلّ أول الليل، وأنا لا زلت أحترق شوقًا أن أرى عودة الزمن، غير أنه لم يعد، ظل كل شيء على حاله.
قلت لنفسي، أنا أقف غير بعيد عنهما، وحيرتي أشد بؤسًا من الغلام: أمضي مثلهما إلى سبيلي، أم أنتظر؟
هل يفقد الزمن صوابه، ويفعلها ولو لمرة واحدة؟
حالة تلبّس
جاءت قبل الموعد المتفق عليه بسبع دقائق، تطل برأسها من النافذة المجاورة لي، جمعت في نظرة عينيها بين لهفة اللقاء، الرغبة في القبض عليّ في وضع تلبّس. إذ أدارت بصرها في العربة، ثم ابتسمت، قالت بلؤم أنثوي مستحب شرعًا: فاجئتك؟ صح؟
قلت وأنا أداري اضطرابي: الحياة معك كلها مفاجأة..
ثم انطلقنا في طريق مرسوم، نتسامر، نضحك بصوت عال من عمق القلب، نلملم أطراف الشرق والغرب في نسيج قصصي، سكبنا على حكاياتنا بعض توابل الخيال.
استهلكنا الوقت، أو مضى بنا الزمن حيث يرغب هو فقط، ثم عدت بها لنفس النقطة، ذات المكان، غادرت سيارتي، بقي منها عطرها، ضحكة رائقة لا تزال ترج جدران سيارتي، تهزني من أعماقي، انتظرت حتى غابت عنّي بجسدها فقط، ثم لويت عنق دابتي، أدرت قطة موسيقية هادئة.
بحركة عفوية أعدت تشغيل هاتفي المحمول، غير أنني تلفّت حولي، ثم أحجمت، أقول أطمئن نفسي: للتلبس شروط وأركان، ثم من يدري!
بطاقات ائتمان
أخرجت رزمتين ماليتين من جيبي، وأعقبت بثالثة. ثم وضعتهم أمامه، قلت: معي مال كثير، يكفي ويزيد عن الرسم المطلوب، فهل بمقدوري أن..؟
لكن قبل أن أتمّ سؤالي،أشار لي، كان يرتدي بدلة كاملة، كأنما يأمرني أن أصمت، ثم أخرج قلمًا من درج مكتبه الأمام، عبث في الرزم الثلاثة، كأنما يستوثق من المال، ثم تطلّع إليّ، مط شفتيه وقال: لا يكفي.
قلت: كذلك لديّ بطاقات بنكية، أخرى ائتمان، فيها أرصدة كبيرة، وضعتها على أمامه، أربعة كروت فضية وذهبية..
لمّ الكهل المال، البطاقات، وضعهم في مظروف أصفر حكومي كبير، قال: هانشوف، انتظر هنا،
ألقى نظرة سريعة عليّ، لم ينس أن يأخذ كلمات المرور السرية، ثم قام ودلف من باب جانبي.
