اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر
محمد محمود غدية

هي كاتبة للطفل وهو قاص، غرقى في بحر المعرفة، التي تبدد الوحشة وتنبذ القبح، المناسبة لقاء فكري في إحدى الندوات، عجوز أبيض الشعر، نحيل العود، مازال يجري في صفحة وجهه، بقية من حيوية، ملامحها تحمل بقايا جمال، هما في سن مشبعة من معارك الحياة، تجلس وحيدة، قبل بدء الندوة، أمامها على الطاولة فنجان قهوة غاطس في السواد، عند أول رشفة لم يطب لها مذاقه، طلبت من النادل تغييره، الشمس عمودية بطاولتها، استأذنت الجلوس بطاولة العجوز، المتخففه من لهيب الشمس الحارقة، معتذرة انها لا تحب الجو الخانق والوحدة.
كان لابد لهما من الثرثرة التي عرجت بهم نحو شللية الأدب والأدباء، وتقلص النشر لغيرهم، فى الصحف التي حجبت صفحاتها الأدبية لصالح الإعلان، وعرجا على مشاعر الحب البكر، التي ينقصها النضج والتجربة، ثرثراتهما طيبة محلقة بهما نحو السماء، لتسقط على الأرض بتمهل، اسلوبهما مزهر رشيق، بابتسامة واثقة وافقته ان الحياة دون حب، مثل شجر مجدب غير مثمر، بينهما لغة بكماء لا تحتاج لترجمة، فتحت في عنوة الأبواب الموصدة، وحطمت الأقفال الصدئة، لم يسعى أحدهما لتبرير مشاعره، كانت الجلسة بالأهمية لإعادة فلترة الروح العطشى للنور والمطر.
بدأت الندوة وانتهت دون تلاقي، إنها الأقدار التي تجمع وتفرق،
وحده في الليل يراقب القمر الذي يسكب فضته الذائبة، على ظلمة الحياة فيضيئها، فشل في كتابة الشعر، وكل القصائد مطفأة، تطارده المدن والأبنية.
ثمة أشخاص رائعون، نلتقي بهم في أوقات غير مناسبة، كالتي جاءته وهو في خريف العمر، أين كانت هذه المصادفات والتوافقات؟
يقسو على نفسه، وهو يرى في العواطف الكريمة حب، عليه التوقف عن إطلاق سحب ترعد لا تمطر، وزرع زهور لا تثمر، ينتابه إحساس مروع، برحيل الأشياء الطيبة الحلوة.
عبثا يلملم ملامحها في ذاكرته الموبوءة بالصدأ، يجلس خلف زجاج النافذة المطلة على الشارع والناس والكائنات، أين ذهبت الملجأ والمهرب، من قسوة الملل والقيود؟
يحتسي فنجان قهوته الثالث دون تلذذ، ويمارس اعتيادية الوحدة والضجر.