اللوحة: الفنان الجزائري صالح المقبض
ماهر باكير دلاش

في زمن يتسم بالتسارع التكنولوجي والانفتاح غير المحدود على المعلومات، أصبح الأدب، ذلك الفن الرفيع الذي يعبّر عن أعماق الإنسان ويجسد أفكاره ومشاعره، يشهد تحولًا في مكانته وتقديره. كثيرًا ما يُنظر إلى الأدب اليوم بعين التفاهة، حيث يتم تقليصه إلى مجرد كلمات استهلاكية أو موضوعات عابرة لا تُثير الفكر أو تحفز الإبداع. في هذا السياق، يظهر التساؤل: لماذا أصبح الأدب، الذي كان في يوم من الأيام أداة لتحريك الوعي الجماعي وإحداث التغيير، يُنظر إليه أحيانًا بعين الاستهجان؟
الأدب في جوهره ليس مجرد ترف فكري، بل هو مرآة تعكس التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها، ويُعد أداة للتعبير عن الصراع الداخلي، والسياسي، والاجتماعي. ومع ذلك، نلاحظ اليوم أن الأدب يواجه تحديات كبيرة. بعض الكتابات الأدبية اليوم تُختزل في قالب سريع وقابل للاستهلاك، يندرج تحت ما يسمى “الأدب السطحي”، الذي يفتقر إلى العمق والتحليل الفلسفي، وينحصر في أحداث سطحية أو مواضيع تافهة. هذه النوعية من الكتابات تساهم في تعزيز النظرة التافهة للأدب، والتي تراه مجرد أداة للترفيه أو التسلية، دون أن تحمل أية قيمة فكرية أو روحية.
إذا نظرنا إلى مفهوم التفاهة وفقًا للفيلسوف الكندي آلان دونو في “نظرية التفاهة”، نجد أن السطحية والاختصار في التفكير أصبحا سمة العصر، وهو ما يعكس نفسه في الأدب المعاصر. تُعطى الأولوية للسرعة في الإنتاج والاستهلاك على حساب الإبداع والعمق. في هذا العصر، يعاني الأدب من اختراق وسائل الإعلام السريعة والتهريج البصري الذي يستهلك ويدمر فكرة الجمال والفكر العميق.
في السابق، كان الأدب يحمل بين طياته دعوات للثورة الفكرية، وكان مصدرًا للإلهام والتغيير. من خلال أعمال عمالقة الأدب مثل شكسبير، ونجيب محفوظ، وفولتير، كان القارئ يُحفز على التفكير النقدي وطرح الأسئلة حول الواقع والمجتمع. أما اليوم، فنحن نعيش في عصر يرى فيه البعض أن الأدب مجرد وسيلة للهروب من الواقع، أو وسيلة للترفيه فقط. بذلك، تنشأ فجوة بين الأدب كفنٍّ والواقع الذي يُستهلَك فيه هذا الفن، حيث يُنظر إلى الروايات، القصص، والمقالات الأدبية وكأنها مجرد وسيلة للتمرير السريع للوقت.
الظاهرة الأخطر تكمن في تراجع القيمة التعليمية للأدب. فبدلاً من أن يكون الأدب أداة للنقد الاجتماعي أو لمناقشة قضايا حقيقية مثل الظلم، الحرب، أو العدالة الاجتماعية، يُستهلك اليوم بسرعة عبر منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا التحول يجعل الأدب غير قادر على تحقيق أثر عميق في الواقع المعاصر.
ومع ذلك، لا يمكننا إنكار أن هناك محاولات جادة للعودة بالأدب إلى مكانه الحقيقي. هناك كتّاب وجماعات من المثقفين يسعون إلى إعادة إحياء الأدب الكلاسيكي والحديث بأفكار جديدة، ولإعطاء الأدب دوره كأداة للتفكير النقدي والتغيير. في هذا العصر الذي نعيش فيه، يظل الأدب أحد أسمى الوسائل التي يمكن أن تعيد بناء فهم الإنسان لعالمه، وتحفز الوعي على المستوى الشخصي والجماعي.
التحول في نظرتنا إلى الأدب يجب أن يتزامن مع تحول في إدراكنا لدوره في تشكيل الوعي، فإذا استمررنا في النظر إليه بعين التفاهة، فإننا نغفل عن أهميته في تشكيل الرؤى العميقة والمعاني التي تتجاوز اللحظة العابرة. نحن بحاجة إلى العودة إلى تقدير الأدب ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كمنهج يعزز من قدرتنا على التفكير، التأمل، وإعادة النظر في القضايا الحياتية التي تشغلنا.
- رؤية الإسلام للأدب
إن الأدب في الإسلام له مكانة رفيعة، حيث يُعتبر وسيلة من وسائل التعبير عن القيم الأخلاقية والتوجيه الروحي. يعكس الأدب الإسلامي السمو في استخدام الكلمة، ويشجع على التفكير العميق، بل ويعد وسيلة لتحفيز الفرد على التفكير في الخالق والخلق والوجود. في الإسلام، يُنظر إلى الكلمة كأداة للخير والهدى، ولذلك يتم التأكيد على ضرورة أن يكون الأدب وسيلة للنصح والإرشاد، بعيدًا عن التفاهة أو الإسفاف.
فالقرآن الكريم كان بداية لكل الآداب التي عُرفت في العالم العربي، بما حمله من بلاغةٍ وفصاحةٍ، وأصبح مصدرًا للإلهام الأدبي، حيث استخدم الشعراء والكتّاب كلماتٍ تُحفز الوعي الإنساني على التفكير في آيات الله في الكون. في الحديث النبوي، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتبر الشعر من ألوان الفن الرفيع، فقال: “إن من البيان لسحرًا”، مما يدل على أهمية الكلمة الأدبية في التأثير على النفوس.
في الإسلام، يُطلب من الكاتب أن يتحلى بالصدق والنزاهة، وأن يحرص على أن تكون كتاباته متوافقة مع قيم الحق والعدل، بما يسهم في تهذيب النفوس وتحقيق التوازن بين العقل والجسد. ولا يجوز للأدب أن يروج للفاحشة أو للضلال، بل ينبغي أن يكون أداة لبث الأمل، والتأمل في الحياة، ودعوة للحق والخير.
باختصار، رؤية الإسلام للأدب لا ترى فيه مجرد وسيلة للتسلية، بل تؤكد على أنه يجب أن يكون جزءًا من التغيير الإيجابي في المجتمع، وأن يحمل رسالة تستهدف رفع الوعي، وتوجيه الفكر نحو الفضيلة والطهارة.