كشك الشهيدة

كشك الشهيدة

اللوحة: الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا

مارا أحمد

أمسكت بذراعه، تعلقت بها، ثم ما لبثت أن احتضنت ساقه؛ ترجوه ألا ينزل إلى الشارع.

– أرجوك أبي. لا تشارك في الظلم، لا تمد يدك للطغيان، لاتكن هراوة للصوص.

– أنا؟ جاسوس؟ إنما أشارك يا ابنتي في الدفاع عن النظام، عن الأمن، عن حكومة بلدي ضد من ينشرون الفوضى والنهب، ضد العملاء المندسين بيننا ويبتغون استعمارها.

– لا يا أبي. أنا أعرف أن من نزل في هذه الثورة؛ يدفعون حياتهم ويضحون بمستقبلهم لأجلي ولأجلك، لأجل كل الفقراء والمهمشين والمطحونين، فلا تتعاون أنت عليهم.

– أنا أتعاون مع السادة لأكون منهم ذات يوم؛ لحمايتك وإخوتك، لكي أوفر لكم حياة كريمة، ومستقبلا مضمونا، فأنا أحد رجالتهم، أنا معهم.

– واهم أنت أبي؛ فلن يسمحوا لك أن تكون منهم، بل ستظل تابعا لهم، مجرد عصا يلوحون بها إرهابا للضعفاء، أنت اليد التي يبطشون بها، 

يد اللص الذي يسرق الأصوات الحرة من الصناديق ويستبدلها بأوراق مغشوشة مثل لاعبي القمار، وأنت من تورد لهم الأصوات تحت التهديد أحيانا أو بالبيع في أحايين أخرى، تستغل حاجة الناس للمال فتشتري أصواتهم، أنت بلطجي. 

يمد يده ليصفعها، تواري دموعها وتقف لحظة متماسكة لتسقط أرضا ينهار الأب ويسقط على الكنبة المواجهة للشرفة، لا يصدق أن ابنته كبرت وتتحدث كما الشباب الثائر بل وإنها تحاسبه.

– ليتني وجدت أبا يعلمني كما علمتك، أو أما تلقمني الحلال والحرام، ليت أبي علّمني مهنة أو حرفة حتى أعولكم من دخلها وأوفر لكم ما تشتهون وما تتمنون قبل أن تلفظ به ألسنتكم، ولكنني بلا مؤهل ولا حرفة، اللهم قوتي البدنية وملامحي المخيفة وصوتي الأجش الذي يرهب من يسمعه، أنا وأنتم نقتات على قوتي البدنية، أساند سادة بلدي لأنهم هم من يسنون الخير والشر وهم من يحدد المواطن والعميل، من مات أو قتل من الشباب المشارك في الثورة هم خونة للبلد وللنظام. 

وقفت الفتاة وكلها عزيمة وإصرار، على جثتي يا أبي إن نزلت الليلة، أنا سأمنعك أن تتعاون على قتل الأبرياء، سأمنعك أن تطعمنا حراما، أن تمد يدك المخضبة بالدماء إلى فمي بالطعام الغارق في دم الأبرياء.

فجأة يغيب صوتها وكأنها غادرت المكان تتأوه في ضعف، لتسقط بين ذراعيه، أمسكها محتضنا لها في رحمة، معتقدا أنها تجبره على عدم النزول، يشعر بلزوجة وسخونة في يده، يرفعها إلى عينيه ليجدها باللون الأحمر القاني وساخنة، يصرخ غير مصدق لما رآه، تخرج الأم على صرخات زوجها، معتقدة أنه يضرب ابنتها، لتجدها ملقاة بين ذراعيه مدرجة بالدماء، لقد أصابتها رصاصة طائشة من رجال الأمن المنتشرين بالشارع الذين يطاردون الشباب الخارج لكسر الحظر؛ لتجتاز الشرفة إلى رقبتها.

تصرخ الأم حسرة؛ إنها أجمل بناتها وأكثرهن ثقافة واتزانا بل وذكاء، أسرع بها إلى أقرب مستشفى؛ يرفضون استقبالها تجنبا للدخول في صراع مع الأمن، ويوجهونه إلى مستشفى القصر العيني، لتلفظ آخر أنفاسها وتلحق بالرفيق الأعلى. 

حصل الأب على تعويض لا بأس به لمقتل ابنته برصاص رجال الأمن، وتم ترشيحه وزوجه للحج، وحصلا على شقة، ووفرت لهم الدولة كشكا، كان يقبض ثمن من يسلمهم للأمن أو يتعاون في نجاح مرشح ما، لم يكن يتصور أنه سيقبض ثمن دم ابنته. 

   حين تتجه إلى أحد الميادين المشهورة تجد كشكا باسم “الشهيدة”، يقف فيه رجل أجش الصوت، ضعيف البنية، يستمع إلى القرآن في الراديو، تدخل عليه امرأة ترتدي عباءة سوداء بصحبة فتاتين وصبي 

يرتدون طيب الملابس، تحييه وتخبره أنها ستقوم بتوصيل البنات إلى المدرسة وستصحب ابنها إلى النادي لتدريب الكرة،

تذكر قول ابنته الشهيدة: إن من نزل الثورة يدافع عني وعنك، إنهم نزلوا لأجلك وأجلي ولأجل كل المهمشين. نظر إلى صورتها المعلقة على الحائط، أعلى الكشك ومازال يسألها: هل كان لزاما أن تدفعي عمرك وشبابك لكي نحيا نحن؟! 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.