أوراق لم تسقط من الذاكرة.. الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً في حرب الكبار

أوراق لم تسقط من الذاكرة.. الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً في حرب الكبار

اللوحة: الفنانة اللبنانية مايا فيداوي

هناء غمراوي

ليلة الأول من أيلول احسّت أمي بآلام المخاض، ومع تباشير الصباح الأولى أبصرت عيناي النور لأول مرة في ذلك البيت الصغير، الذي بناه والدي بين أشجار البرتقال داخل بستانٍ صغير يملكه، قرب الشاطئ. 

صرخت النساء اللواتي حضرن ولادتي؛ “صباح” سنسميها صباح لأنها ولدت مع الصباح. والأغلب ان اختيارهن للاسم كان تيمناً باسم المطربة اللبنانية صباح، التي ذاعت شهرتها الفنية، آنذاك. رفضت والدتي بشدّة كما أخبرتني لاحقاً وقالت؛ لا لن أسميها صباح كعشرات الفتيات اللواتي ولدن مؤخراً في البلدة، بل سأختار لها إسما مختلفاً؛ سأسميها، “هناء”. لم أكن أعرف بالتحديد لماذا اختارت أمي لي هذا الاسم بالذات، فخلال طفولتي سمعت روايات كثيرة سردتها خلال جلساتها مع صديقاتها أو جاراتها حول ذلك الموضوع.! وكانت أمي في زمانها حكاءة ماهرة تتمتع بذاكرة قوية واسلوب سلس في الحديث يجعل المستمع ينصت لها بشغف واهتمام. ومن تلك القصص، التي كانت ترويها حول تسميتي، ان شقيقي عمر الذي كان يكبرني بثلاث سنوات ونيف ظل يردد طوال ذلك النهار؛ نهار مولدي، “هنا، هنا”..

وكان شقيقي هذا معروفاً في طفولته بعناده الشديد، وحدة طبعه. وكم روت أمي عن طفولته الشقية، قصصاً وحكايات، ولما تجاوز شقيقي سن العاشرة صار طيعاً لين الطبع هادئ المزاج. أما اسم هناء الذي كان يردده شقيقي ابن الثلاث سنوات فانه لم يأتِ من فراغ، وانما تعرّف اليه من زيارات أمي المتكررة لمنزل خالتي حسناء “أم عزت” التي كانت تزورها وتبيت عندها في القرية في مرياطة مسقط رأس أمي. وبخاصة في شهر تشرين من كل سنة في موسم قطاف الزيتون من الكرم الصغير التي كانت تملكه والدتي مناصفة مع أختها.

خالتي حسناء انجبت من الأولاد، أربعة، ومن البنات ستة. من بين بنات خالتي كان عندها طفلة، اسمها هناء لم اتعرف اليها في طفولتي، حيث انها قضت رعباً من منظر الطائرة التي قصفت منزلهم خلال الثورة التي اندلعت في لبنان قبيل نهاية حكم الرئيس شمعون بأشهرٍ فقط. سمعت الطفلة هناء أزيز الطائرة وهي تقصف منزلهم بالقنابل ورأت النار تشتعل فيه فيما كان إخوتها ووالدها غارقين في دمائهم على أرضية البيت الذي أصبح من غير سقف. فقد نفذت طائرات نوري السعيد، حليف الرئيس شمعون، غارة جوية على القرية المذكورة وقصفت عدة بيوت بحجة ان أصحابها يقدمون الدعم والطعام لبعض شباب الثورة المعارضين لتمديد ولاية الرئيس كميل شمعون. 

ابنة خالتي هناء البالغة من العمر سبع سنوات فقط، لم يتحمل قلبها الصغير هول ما سمعت ورأت، اندفعت بخوف نحو أمها لتتوسد حضنها فأبعدتها خالتي عنها لتسند اليها ابنها الشاب عبد الرحمن، الذي بترت إحدى القذائف رجله للتو. وكذلك لتحضن ابنتها الشابة، نعيمة التي اصابتها الشظايا في امكنة متفرقة من جسمها.. (ظلت خالتي لسنوات عديدة تردد؛ لن اسامح نفسي كيف ابعدت عني هناء وهي تشهق بالبكاء وتقول؛ أنظري يا أمي كيف يحترق بيتنا.!) كل افراد العائلة نالوا نصيبهم من شظايا القصف الذي اعمل حريقاً هائلا في البيت الذي كان يحتوي على كميات كبيرة من زيت الزيتون زادت في اشتعاله..

نقل الجميع الى المستشفى الحكومي في طرابلس للمعالجة. ونقلت معهم الطفلة “هناء” ذات السبع سنوات والتي لم تتعرض لأي إصابة في جسمها، لكن قلبها الصغير توقف. ولم يحتمل مشهد الرعب الذي عاشته مع عائلتها، وفارقت الحياة بعد وصولها الى المستشفى بساعات فقط. في حين أمضى بقية أفراد العائلة المدة اللازمة للعلاج في المستشفى. حيث كانت والدتي تزورهم يومياً، وعندما كانوا يسألون عن الطفلة هناء، كانت أمي تقول لهم؛ هي بخير ولكنها نقلت الى قسم الأطفال..

هذه الحادثة سردت عشرات المرات في طفولتي على مسمعي، وكانت من أكثر القصص المؤثرة، التي ترويها أمي.! لذلك بقيت عالقة في الذاكرة وأبت الرحيل.! الذي جعلها تطفو الى السطح الآن بعد ان قبعت في ذاكرتي عشرات السنين؛ ما أراه يومياً على شاشات التلفزة من قصف وتدمير في غزة وفي لبنان.! وأتخيل حالات الرعب، والهلع التي يعيشها الأطفال هناك. بالإضافة الى خطر الموت المحيط بهم من كل صوب فإن نجا بعضهم منه بأعجوبة، يبقى اكثرهم معرضاً لخطر التشوه والإصابة بعاهات صعبة ومستديمة.! 

سؤال برسم المعنيين الذين يحملون شعارات حماية حقوق الطفل تحت أسماء منظمات عالمية موجودة بالاسم فقط وغير فاعلة على الأرض.

لماذا يدفع الأطفال ثمناً باهظاً في حرب الكبار؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.