اللوحة: الفنان النمساوي فرديناند جورج والدمولر
د. جمال عبد الرحمن

كان للطفل عمة تكبر أباه بعشر سنوات كاملة. تقول مصادر العائلة إن العمة كانت للأب بمثابة الأم، فكانت تتولي شؤونه – مثل كل البنات الكبيرات في العائلة: يحملن عن الأم أعباء المولود الجديد- تزوجت العمة في قرية مجاورة، قبل أن يأتي الطفل الي الدنيا بعقود، وكانت تأتي لزيارة الأهل من حين لآخر. لم تكن تأتي فجأة، بل كان الكبار يتهامسون بالنبأ قبله بأيام، أما الأطفال فكانوا يلاحظون تغييرات. في أحد الأيام يقولون لهم: غدا ستأتي الحاجة لتمضي معنا أياما. لابد أن نكون مؤدبين حتى تمضي معنا أياما أكثر. كان الأطفال يفرحون، فقد كانت العمة تأتي محملة بالهدايا، ثم إن الأب والأعمام لا يستطيعون ضرب الطفل مهما بلغت شقاوته، طالما كانت الحاجة في البيت، وكانت طلبات الأطفال مجابة في أيام الزيارة. في اليوم الموعود كانت النساء ينظفن البيت عند الفجر، ويفرغن من أعمال البيت بسرعة، وترتدين ملابس نظيفة ثم يصعدن إلى السطح، يرقبن الطريق بين القريتين، وخلفهن الأطفال. فجأة يظهر شبح أسود في أول الطريق. تصيح إحداهن: عمتكم يا أولاد، هيا الحقوا بها، واحملوا عنها….
يلحق الأطفال بالعمة، ويحكون في وقت واحد استعدادات البيت الكبير، وكيف أن النساء ذبحن عددا من البطات، و…و.. لا تفهم العمة شيئا مما يقول الأطفال، فكلهم يتحدث بسرعة، وكلهم يريد تحقيق السبق. يحملون عنها الأشياء، ويتحلقون حولها. هي تطلب منهم السير في صمت. أما الطفل الصغير فإنه يتسلل إلي داخل الشقة (بضم الشين المشددة وفتح القاف)، وهو الرداء الجلدي الواسع الذي ترتديه العمة فوق الثوب. لا يلبث أن يخرج، ويمسك العمة من يدها. قرب البيت يتركون العمة ويركضون صائحين أن العمة قد وصلت. تستغرق عملية السلام وقتا، فالنساء كثيرات، ولابد من تبادل قبلات كثيرة. يصل الشيخ أحمد ويقول: نورتي البيت يا حاجة”.
تستمر زيارة الحاجة أسبوعا أو أسبوعين، يقضيهما الأطفال في سعادة، فلا أحد يعنفهم لأي سبب. تكتفي الأم بأن تقول لابنها في صوت هامس عندما يخطئ: “حسابنا بعد ما تمشي الحاجة”. يأتي يوم يري فيه الطفل عمته الحاجة وهي تلبس الجورب الأسود إيذانا بمغادرة البيت، فيضمر في نفسه أمرا. تنتهي العمة من ارتداء ملابس الخروج، وتبحث عن الحذاء فلا تجده. تتعاون النساء في البحث دون جدوى. تعلن إحداهن أنها تعرف الحل. تنادي علي الطفل الصغير، وتقول له إن العمة ستذهب إلى بيتها لكي تطعم الحمام ثم تعود دون تأخير. يذهب الطفل إلي ركن في البيت، ويستخرج الحذاء من التراب. تذهب الحاجة، لكنها لا تعود بعد فترة قصيرة كما قالوا. يحتج الطفل، فيعوضونه بشيء من الحلوى. ينسى. تمر أسابيع وشهور. يتهامس الكبار فيما بينهم. فجأة يستدعون الأطفال. عمتكم ستأتي غدا…..