مقعد في الهواء

مقعد في الهواء

اللوحة: الفنان البرازيلي ماركوس جينوزا

محمد نديم علي

المحطة الأخيرة

(عند سفري بالقطار، أحب الجلوس ووجهي متجه نحو القاطرة، وكأنني أريد أن أرى الطريق أمامي مع سائقه؛ وأرى بوضوح أين تكون وجهة القطار).

وأضاف: (لست ممن يعيدون النظر فيما فاتهم من محطات؛ ودائما ما اتطلع لكل جديد آت.. أما لو كان وجهي نحو المؤخرة، أشعر بأن أحدا يقودني إلى طريق مجهول لا أراه. كما أرى أن كل المحطات العابرة والمشاهد الماضية تهرب أمام ناظري، فأشعر بالندم على ما راح.)

هكذا كان يتحدث إليّ بحماس شديد: (لو كان وجهك أماما، لرأيت كل جديد مبهر قادم، ولو كان عكس ذلك، فلن تقع عيناك إلا على كل قديم رتيب، معاد فات.)

وأردف: (لا تكن خاملا، ولا يهم من تدوس في طريقك، كن كالقطار. لا تنظر وراءك، كي لا تشعر بالندم، كن دائما في المعقد الأول، وفي المواجهة، وإلا ستظل سكرتيرا مغمورا، يتوالى فوق رأسك المدراء.)

***

كان التنافس محموما بشركتنا، بين رؤساء القطاعات المتعددة، وارتكز الصراع حول نقطة واحدة؛ من يستطيع أن يقدم الإنجاز الحاسم، كي يصبح في المقدمة، ليحصل على ترقية العمر المنتظرة؛ ويحوز المقعد الأول لرئاسة المؤسسة.

***  

تعثر من تعثر، وسقط في حمية السباق من سقط، ووصل من وصل. كان الجهد قد التهم بقايا صحته، واضطره مرضه وعجزه أن يتقاعد محسورا؛ وحين أتى إلى مقر الشركة، ليسوي استحقاقاته المالية، شعر بالاختناق والغثيان من بطء الروتين، وشماتة الأنظار. ربما؛ وفي شرفة جانبية مجاورة، سلمت عليه، وأفردت له (مقعدا في الهواء).

الرومانسي

انتظر ذلك اليوم طوال سني عمره. كي يتم حصاد جهده؛ فكم دعا الله أن يهبه مزيدا من العمر حتى يزوج ولده الوحيد، فقد بذل له كل غال بعد رحيل أمه، ليوفر له معيشة رغدة، وتعليما راقيا، أتاح له الحصول على وظيفة تليق بشاب نابه مثله.

***

جلس إلى جانب جهاز الراديو العتيق، الذي اعتاد أن يستمع منه إلى أغانيه الرومانسية المفضلة، التي تعيده إلى زمان شبابه الغض؛ حين كان الحب وعدا يجب تحقيقه، والزواج مسئولية يجب أن نتحملها برضى وحماس.

تسللت الأغنيات إلى وجدانه، فسرت في جسده سكينة، وسكبت في نفسه جمالا.. تذكرها بفستانها البنفسجي الطويل، وشعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها، تلاعب خصلاته الحريرية، نسمات الربيع المعبأة بأريج حدائق الفاكهة المنتشرة حول المدينة الصغيرة، حين تأبط ذراعها، شعرت بكثير من الخجل، حتى توردت وجنتاها، وانسدلت رموش عينيها حياء. وحين جلسا على مقعد الحديقة الرخامي، الذي اعتادا عليه، كانت نسمات الهواء الرقيق وأشجار خضر وأزهار مختلف ألوانها تحوطهما، وعصافير مشاغبة تطوف بالمكان، وهما يستمعان صامتين إلى الأغاني الرومانسية لذلك الزمن الجميل؛ كفها الرقيقة، ترقد في سلام كعصفورة دافئة بين أصابعه الخشنة الحنونة، وأعينهما تشع عشقا في تلاقيهم الحميم.

***

تنهد متمنيا أن يعايش لحظة رومانسية، وهو يشاهد ابنه الوسيم إلى جانب عروسه الجميلة.. كم تمنى أن يسأله عن إحساسه عند لقاء فتاته؛ هل يستمعان معا الى أغاني الحب الصافية؟ هل يشعران حلاوة الحب في كل همسة ولمسة ونبضة فؤاد؟

كان يود لو عاش ولده ذات الأحاسيس والمشاعر، وذاق نشوة كل لقاء.

التقت عيناه بعيني حبيبته الراحلة، في صورتها الذهبية الإطار؛ على الطاولة التي اعتادا أن يشربا عندها معا قهوة المساء، رأى ابتسامتها وسعادتها ليوم زفاف ابنها.

***

ازدحمت القاعة بالمدعوين من أقرباء العروسين. وزكمت أنفاسه عطور فجة. ودخل الموكب تحت وابل من الموسيقا الصاخبة، والأضواء الإلكترونية المبهرة، والأوراق الملونة اللامعة والزهور الاصطناعية التي انهمرت على العروسين. كان الصخب يزلزل أرجاء قاعة الاحتفالات الضخمة. 

ضاق صدر الرجل، وسقط شبه مغشيا عليه. أفاق الرجل، وولده يضاحكه بعد أن غاب خوفه على أبيه: يا حاج معلشي حقك علي، وانهال على رأسه يقبلها.

دي سنة زماننا، وأسلوب حياتنا الآن، ولابد أن أجاري العصر، أيامك غير أيامنا يا حاج. ربنا يعطيك الصحة ويخليك

لنا.

***

وفي ركن من حديقة صغيرة خارج القاعة، عند شجرة ذابلة الغصون، تحتها قطتان تزومان لبعضهما، وفوق نجيل تفوح منه عطانة المطر، أفرد لأبيهمقعدا في الهواء)

الوحيدة

هكذا هي منذ خلقها الله، جادة، تعتمد على نفسها، تستغل كل قدراتها في أي عمل تؤديه. قليلا ما كانت تسأل أحدا المساعدة. أو تطلب منه العون. فبعد تقاعدها من عملها كمديرة مدرسة ثانوية، عاشت سنوات ترعى ابنها وبنتها حتى أنهيا تعليمها، وتزوجا. كان الأب نعم العون، ونعم الرفيق، وكأنه أحس بالرضا عما أنجزاه سويا، آثر الرحيل بسلام.

أصبحت وأشجانها رفيقين في شقة عريضة المساحة، وحيدة، بعد هجرة أبنائها وهجرتهم نحو أراضي الزيت والرمال، طلبا لرزق أوسع، وجاه عريض.. كانا يتصلان بها عبر الهواتف، يوميا، ثم تناقص عدد الاتصالات حتى أمست كل شهر مرة. تنتظرها بكل مشاعرها وجوارحها للاطمئنان عليهم وسماع أحفادها؛ أولئك الذين صار القلب يرفرف حين يسلموا عليها بأصواتهم البريئة. والآن انحسرت الاتصالات إلا في العيدين؛ فأي عناء كانت تتكبده بين الاتصال والآخر. وأي دموع تنهمر من عينيها المتعبتين.

***

تخرج كل أسبوع لتقضي حاجاتها من التسوق. تسير بين البيت والسوق مسيرة ساعة في ذهابها وعودتها حاملة حقيبة التسوق، تملأها بالخضروات والفاكهة التي اعتاد أن يحبها الأحبة الغائبون. تعود لتطبخ منها القليل، وما يناسب حالتها الصحية ومعاناتها مع مرض السكر الذي لحق بها في السنوات الخمس الفائتة.

ذات ضحى، وعند رجوعها حاملة مشترياتها، غامت الدنيا في ناظريها، عند رصيف مقهى اعتادت المرور به في سكة الذهاب والرجوع.. أفاقت السيدة وشاهدت بأم أعينها، وجوها طيبة، وابتسامات ودودة، وألسنة صادقة تلهج بالحمد على سلامتها، وأياد كريمة تمد لها أكوابا من الماء المثلج، والعصائر، وقد أفردوا لها فوق رصيف الشارع (مقعدا في الهواء)

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.