اللوحة: الفنان الألماني بول أدولف سيهاوس
عندما نتذكر شكل الأفارقة في الماضي، كان الرجل عاريا ولا يرتدي سوى قطعة صغيرة تغطي العَوْرَة، كذلك حتى 1960، كان المالاوي، «سكان ماليزيا الأصليين» الذين يمثلون اليوم 60% من سكان ماليزيا، والصينيون 22%، الهنود 6%، إضافة لأعراق أخرى، وهذا التنوع هو سبب المعضلة الماليزية وفي نفس الوقت سبب نهضتها.
طمع الاحتلال البريطاني في المواد الخام وخاصة المطاط بماليزيا، الملاو مزارعون، فيهم طبائع تشبه القبائل الإفريقية، مستقرون في مزارعهم فلا يخطر ببالهم تغيير، صناعة المطاط تنتج انبعاثات وروائح يعتبرها المسلمون نجاسة ولهذا ترفعوا عنها، فاستقدم الإنجليز عمال «صينيين»، وهم المشتغلون بصناعة المطاط والذين يملكون ويديرون تلك الشركات، وعمال «هنود» يمارسون المهن الحرفية، وأدى ذلك إلى أن أصبح السكان الأصليون هم «المتخلفون والأميون والفقراء».
غادر الاستعمار ماليزيا، وجاء في وثيقة مغادرته «اعتبار الجميع مواطنين ماليزيين»، هذه حالة فريدة في التاريخ، ففي الوطن العربي هناك طوائف وعرقيات، لكنهم السكان الأصليون منذ قرون طويلة، لهم نفس اللغة والأصل والعادات والمفاهيم والتاريخ، بينما في ماليزيا، ثلث السكان ينتمون لغة وعرقا ودينا إلى بلدهم الأولى، ويصرّون على أن يظلوا في ماليزيا صينيين وهنود كاملين.
لنتخيل بلدا ضعيفا متخلفا وفيه أقلية تنتمي لدولتين من الدول الكبرى، الهند والصين، من المتوقع أن تكون تلك الأقليات نقطة ضعف وثغرة تستطيع تلك الدول عن طريقها التدخل في شؤون ماليزيا، ولكن هذا لم يحدث أبدا، ويرجع الفضل إلى «مهاتير محمد» وإلى جرعة المواطنة التي حصنتهم ضد الطائفية.
***
في عام «1970» أصدر «مهاتير محمد» كتاب «المعضلة الماليزية»، كتب فيه: «الشعب المالاوي كسلان، لا فائدة منه ومتخلف»، وذكر الأسباب وطرق العلاج، وأرجع التخلف لأربعة أسباب؛ الأول: «الوراثة والبيئة، فتزاوجهم من داخل عِرقيتهم، لا يجدد الجينات، والبيئة الاستوائية الحارة تُورث صاحبها الكسل». الثاني: «العوامل الثقافية»، الثالث: «الفهم الخاطئ للإسلام، والاعتقاد بأن الإسلام دين عبادة وروحانيات وليس عمل»، الرابع: «انعدام علاقات التعامل بين الأعراق كلها، كل عرقية انكفأت على نفسها».
وكان الكتاب إهانة للحكومة والشعب، فالحقيقة دوما كذلك، وطُرِد «مهاتير» من الجامعة ومن الحزب الحاكم وصودر كتابه.
***
تولى «مهاتير» رئاسة حكومة ماليزيا عام «1970»، أول رئيس غير أرستقراطي، فالأب هندي والأم مالاوية، يقول: «ما من مرة ارتكبت فيها غلطة أو أصدرت قرارا غير شعبي، إلا وصفوني بالملاوي الأبله، بينما حين أتخذ قرارا صائبا أو يرضون عنه، يصفوني بالهندي الذكي»
اتخذ «مهاتير» خمس استراتيجيات رئيسية، ووضع خطة حتى عام «2020» لمدة تزيد عن ثلاثين عاما، وظلت ماليزيا تطبقها حتى بعد رحيله عن الحكم.
***
الاستراتيجية الأولى «التمييز الإيجابي»
اجتمع بالنخبة الصينية والهندية، قال لهم: أنتم الأغلبية، والسكان الأصليون، يعانون “جهل وتخلف وفقر” وأنتم عندكم المال والشركات وكل أسباب الرفاهية، لو ساويت بينكم لظلمت الأغلبية، المطلوب منى العدل وليس المساواة، بالعدل تقل الفجوة بينكم، وتقل المشاحنات وتختفي الأحقاد، شركاتكم ومصانعكم تحتاج عمالة مدربة ومؤهلة، لا بد من تدريب أبناء البلد ليعملوا في مؤسساتكم، سأكرس ميزانية التعليم كلها لهم، وسأرسلهم في بعثات بالخارج، وسأكثر من التدريب المهني وأقوي ثقافة الصناعة وأكرس في التعليم ثقافة المواطنة.
وإلى اليوم أكبر الجامعات في ماليزيا لا يدخلها إلا الملاوي فقط، ولا يعترض أحد، والنتيجة أنَّ الطبقة المتوسطة أصبحت هي الأكبر، وهي أساس الاستقرار للبلاد
***
عندما أرادت ماليزيا الاقتداء بالدول المتقدمة، أرسلت بعثتين إلى مصر والعراق. دولتان عربيتان وإسلاميتان، فوجدوا أنهما بلا «ديمقراطية وتقدم وعلم»، ثم أرسلوا بعثات لأوروبا، فوجدوا أنَّ الثقافة الأوربية مختلفة عنهم، فتوجهوا إلى الشرق.
الإستراتيجية الثانية «الاتجاه نحو الشرق»
أطلق مهاتير مقولته الشهيرة: «إذا اردت أن أصلي فسأتجه إلى مكة، وإذا أردت المعرفة سأتجه إلى اليابان، لأننا ننتمي إليهم اجتماعيا وعرقيا وفكرا»
فأرسل البعثات إلى الشرق وخاصة اليابان، وحرص على نقل العلوم ومعها شيء هام، سمَّاه «أخلاق العمل»، فالعمل مقدس عند اليابانيين، ولاحظ أن العامل الماليزي حين يتدرب عام في اليابان يعود بأخلاق العمل التي تتميز بها اليابان، ويكون مختلفا عن أقرانه الذين لم يتدربوا باليابان.
***
الاستراتيجية الثالثة «الاتجاه نحو الصناعة»
تشتهر ماليزيا بكثير من المواد الخام، المطاط والخشب وزيت النخيل.. إلخ، قام بإصدار قانون يفرض تصنيع المواد الخام قبل تصديرها، فرض ضريبة على المواد الخام المصدرة، بحيث يكون تصنيعها أرخص، فأصبحت غالبية المواد الخام تصدر مصنّعة ولو بدرجة أولية.
استدعى الشركات اليابانية وأعفاهم من الضرائب، وأعطاهم مزايا كبرى، بدأ بالأجهزة الإلكترونية، وبدأ بالتجميع، ثم دارت العجلة، نبتت ثقافة الصناعة الماليزية في البلاد، استقلت ماليزيا بصناعات خاصة بها، منها السيارة الماليزية.
***
الإستراتيجية الرابعة «الاستثمار الأجنبي»
قدم تسهيلات هائلة للاستثمار، شرط أن يكون في الأصول، بمعنى، ألا يضع أحدهم المال في البورصة ثم يفر، الاستثمار في أصول مثل الأراضي والماكينات والمباني … الخ، من ينسحب لا ينسحب بسهولة، لأنه لكي ينسحب حتما سوف يبيع الأصل، الذي هو عقار أو آلات أو بضائع، بهذا جعل الخارج مرتهن للداخل، فالمستثمر الأجنبي سيظل حريصا على استقرار ماليزيا، كي تستقر مصانعه وشركاته بها، وهذا من أسباب صمود ماليزيا في الأزمة الاقتصادية للنمور الأسيوية، لأنهم أصروا على أن لا يتركوها تفشل، لأن أصولهم بالداخل.
***
الاستراتيجية الخامسة «فرض الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص وتشجيع شراكة طوائف المجتمع»
تدخل الحكومة في كل شركات القطاع الخاص كشريك بنسبة تصل إلى 30%، فأصبحت الحكومة شريكة في معظم المشاريع، كثير من المشاريع تكونت عن طريق “التاجر والبنك وصاحب العقار، فأصبحت المشاريع مثل الشرايين داخل البلد، الشركات عبارة عن شركاء، وجعلت المميزات المالية للشركات المتكونة بين أعراق مختلفة، فعندما يكون الشركاء الثلاثة ملاو وهنود وصينيين، كلما كانت التخفيضات والمميزات أكثر، وهذا عامل تعاون بين الأعراق، والمصلحة تكون أقوى من الطائفية، والشركات المتعددة الأطراف يصعب فكها، فيحرص الشركاء على نجاحها وبقائها.
***
هذا بالإضافة إلى أن الماليزي غير مسرف، فرغم وجود أبراج شاهقة وطرق ومظاهر حداثة، إلاَّ أنَّ البنية التحتية متواضعة في التشطيبات النهائية رغم امتيازها، فالطلاب في سكن الجامعات، يجدون أرضية الغرف بلا سيراميك ولا بلاط، فقط طبقة إسمنتية، فالتركيز على الجانب الإنساني والبيئة والصحة، فلا مبالغة في المظهر.
***
سأل مقدم البرنامج “«مهاتير»: «ما هو العنصر الاساسي في نهضة أي أمة؟، هل المال؟ الصناعة؟ الموارد الطبيعية؟ الانسان؟»
توقفت أمام هذا السؤال العاطفي، وتوقعت أن تكون الإجابة هي الإنسان، لأنه مشهور أنَّ الاستثمار في الإنسان هو الأهم، ولكنه لو أجاب بأنه «الإنسان»، فسوف يكون الرد غير كامل وأقرب للعموم، فما كان منه إلا أن أجاب: «الاستقرار وسيادة القانون»، فالاستقرار يعني أنَّ من يستثمر أمواله في البلاد آمن من التقلبات والمفاجآت، وسيادة القانون تعني أن القانون لن يظلم أحد ولن يسلب مال ولن يكون بطيئا في حسم المنازعات.
وبهذه الإجابة الخبيرة أدركت أنه يتكلم عن علم وتجربة، وتذكرت في بلادنا العربية، كثير من القرارات الفادحة والدامية التي كانت بلا دراسة، حين كان متخذو القرار لا يضعون في حسابهم تلك المعادلة:
«النهضة والتنمية = الاستقرار + سيادة القانون + أشياء أخرى».
حين سُئِلَ عن سر تأخره في زيارة أمريكا، أجاب: «عندما أزور بلدا ناميا يحتفوا بنا، بينما الدول الكبرى ترانا متسولين، ولهذا لم أزر أمريكا الا بعد ثلاث سنوات من رئاستي».
وحين سُئل عن سبب رفضه شراء الطائرات الأمريكية «F16-F18»، قال: «لأنها تصلح للعروض العسكرية فقط وليس للقتال، حيث تضطر لطلب الكود والبرمجة من الأمريكان حين تستخدمها، هذا يعني أنه لو كان العدو صديق لأمريكا فلن يحصل على الكود»
في إحدى خطبه قال: «إننا نعتقد في ماليزيا أنَّه من الأفضل أن يكون لك قطعة من كعكة تكبر، على أن يكون لك كعكة كاملة تنكمش»
بتلك الكلمة التي صاغها مهاتير، قامت ماليزيا في عِقدين، انخفضت نسبة الفقر من 57% إلى 5% عام 2002م، أصبحت ماليزيا في قائمة أول عشرين دولة اقتصادية في العالم، الكل يكبر وينمو ويعيش داخل الوطن كمواطن، المناصب والفرص والخدمات للجميع، المؤهل والاستحقاق هو معيار الاختيار، الأقلية والأغلبية تدرك أنها متساوية في ملكية الوطن، وتدرك أنها تزيد مكانتها بكل العناصر في الوطن، ولا يسمحوا بأي ثقوب طائفية.
