منى قابل
اللوحة: الفنان الفرنسي غوستاف مورو
تناول توفيق الحكيم الصراع بين جهتين، تناولا يستحق التأمل، كالصراع بين الآلهة من جهة وبين البشر من جهة أخرى. وكذلك الصراع بين الفن والحياة، يحسب للحكيم تعمده أن يكون حياديا، ولا يقف مع أي من الطرفين، وهذا الحياد منح المتلقي حرية التفكير وحق الاختيار.
النص المسرحي نموذج بديع لانصهار الفنون في بوتقة واحدة، يشير بطريقة عبقرية إلى رؤية فلسفية جديرة بالتأمل، وهي أن لكل فنون الإبداع رحم واحد، وللمبدع خطيئة واحدة ومأساة أبدية.
معروف أن الفنون في البداية كانت ستة فقط، وفقا لتقسيم اليونانيين القدماء وهي: العمارة (أو الهندسة المعمارية)، النحت، الفنون البصرية، الموسيقى، المؤلفات الكتابية، الأداء (مسرح. رقص…) ثم بعد ذلك تم إدخال السينما كفن سابع ليضاف إلى قائمة هذه الفنون.
اللافت في هذا العمل تحديدا تضمنه لمعظم أشكال الفنون. حيث يعترف “توفيق الحكيم ” في مقدمة المسرحية بأن أول من كشف له عن روعة أسطورة بجماليون ليس عملا مسرحيا، وإنما عملا تشكيليا هو لوحة زيتية تدعى “بجماليون وغالاتيا” بريشة الفنان “جان راوكس” المعروضة في متحف اللوفر،
وبعد فترة من الزمن كاد ينسى الأسطورة، لكن رؤيته لعرض فيلم عنها من تأليف (برناردشو) ذكّرته بها
لذلك وجدناه يقول “عندئذ تيقظت في نفسي الرغبة القديمة، فعزمت على كتابة هذه الرواية …وقد فعلت وأنا أعلم أن هذه الأسطورة قد استخدمت في كل فروع الفن على التقريب”
ولما كان توفيق الحكيم قد عُرف بعدائه للمرأة، ولما كانت المرأة هي باب الحياة فقد أخذ الحكيم يجالد نفسه مجالدة عنيفة لكي يوصد هذا الباب، وكان يبالغ في وصف احتقاره لها وشكه في قدرتها على السمو إلى المثل العليا وسفه طموحها، ولكنه كان في الواقع يغالط نفسه.
ظلت الحياة تناديه بصوت المرأة، وزاد هذا الصوت قوة أن التعارض المزعوم بين الفن والحياة تعارض رومانسي وهمي، فالفنان لا يستطيع أن يهرب من الحياة وما ينبغي له، وهي لا بد نافذة خلاله بأشعتها المرئية وغير المرئية، ومن ثم لم يكن للحكيم مفر من أن يتصارع الفن والحياة في نفسه، وأن يجرد من هذا الصراع النفسي قضية عامة يتعارض فيها الفن مع الحياة.
وقد وجد الحكيم في الأسطورة اليونانية القديمة وعاء يعالج فيه هذه القضية.
الغريب أن هذه المسرحية تؤكد أحداثها ونهايتها تحديدا على أهمية وجود المرأة في حياة الرجل.
تدور الأحداث مع بطل الأسطورة بجماليون الذي يعيش حالة نفور من النساء بسبب ظنه أنّ المرأة هي المخلوق المتناقض الذي تأتي منه البلايا والرزايا والابتعاد عنه غنيمة من الغنائم، ولا بدّ على الإنسان من أن يعيش بعيدًا عن مصدر العذابات في هذه الأرض.
يعمل بطل الأسطورة نحاتًا فيخطر له أن ينحت تمثالًا على صورة امرأة “غالاتيا”، فيضع كل خبرته في ذلك التمثال ويصنعه بمهارة عالية إلى أن يتمنى أن تنبض الروح بذلك التمثال الذي أحبه، فتتدخل الآلهة لأجل أن تضع الروح في تلك المرأة ويعيش معها في سعادة وهناء، ثم يتزوج النحات من ذلك التمثال.
في نهاية المسرحية
لم يستوعب بجماليون ما حدث، صار يحس مع التمثال بالوحدة ولم يعد يحبّه كما سبق؛ لذلك قام بتكسيره.
استنتج بعد فوات الأوان أن المودة والرحمة أشياء تعطيها الحياة ولا يعطيها الفن.
وهنا يعلن عن خطيئة المبدع على مر العصور ويؤكد أن الافتتان بالنفس والذات خطيئة يقع بها كثير من الفنانين؛ فَهُم يبحثون دائمًا عن الكمال؛ ولهذا لا جمال الحياة يشبعهم ولا كمال الفن يكفيهم.
المدهش في هذا العمل هو إبراز العلاقة الجدلية بين القاهر والمقهور السيد والمسود، الرجل والمرأة، المبدع وإبداعه. وبتعميم أكبر علاقة البشر بعضهم ببعض.
القصة كلها تبدو لي وكأنها مونولوجا من جانب المبدع يتخذ شكلا جدليا مع النفس يتراوح بين محاولتين تتعارضان وتتكاملان، وهما تجاوز ما أبدع (تحطيمه) واحتوائه في وقت واحد.
يبدع الفنان عمله، ثم يعود العمل فيخلد اسم مبدعه، غير أن الصراع ما يلبث أن ينجلي عن طمأنينة المبدع حين يدرك أن ما أبدع قادر على الدفاع عن نفسه ضد عوامل الهدم والفناء ولهذا فإن ثنائية المبدع وما أبدع ليست إلا قراءة من قراءات متعددة، لأصل في النهاية إلى قناعة راسخة وهي أن دور الفنان ينتهي فور الانتهاء من عمله. أما الإله الذي يكتب له الحياة فهو المتلقي الذي ما إن وهب للعمل الحياة فلن يستطيع المبدع زهق روحه ولو حرص، فقد خرج من مداره إلى مدار آخر لا سطوة له عليه.