توقع الأسوأ تأنس بالتعاسة

توقع الأسوأ تأنس بالتعاسة

محمد ربيع

اللوحة: الفنان العراقي فؤاد حمدي

منذ سنوات أدركت أني يمكن أن أتحكم في الغضب بطريقة ما، اخترت أن أتوقع الأسوأ دائمًا فلا أغضب، نجحت الطريقة تمامًا، قلّت انفجارات الغضب كثيرًا؛ إذا أردت استخراج ورقة من أحد المكاتب الحكومية فعليَّ أن أتوقع أني لن أحصل عليها في اليوم نفسه، إن لم أحصل عليها -وهو ما يحدث عادة- لا أغضب. إن حاولت بدء علاقة أو صداقة جديدة فعليَّ أن أتوقع أني سأفشل، إن فشلت فلن أغضب، وبدا أن توقع الأسوأ هو حل ممتاز، ويبدو أنه أفضل حل وجدته حتى اليوم.

بمرور الوقت أدركت أني أتوقع الأسوأ في كل شيء، وأن توقعي هذا صار سببًا في عدم استمتاعي بأي شيء؛ توقفت عن مشاهدة الأفلام والقراءة وسماع الموسيقى لسنوات، توقفت عن تكوين علاقات أو صداقات جديدة لسنوات. وعلى الرغم من أن حياة كتلك تبدو تعيسة، إلا أنها كانت حياة هادئة حقًا، الدورة لم تتغيّر، اختفى الغضب فحسب. ثم حاولت الانخراط في الحياة مع الاحتفاظ بقاعدة توقع الأسوأ، بالطبع فشلت تمامًا، في ذلك الوقت تحول أقل مجهود ذهني إلى ضغط يليه توتر، صار كل شيء مملًا ويكاد يكون عبئًا. اعتدتُ أن أجبر نفسي على قراءة كتاب لأتركه بعد خمس أو ست صفحات، أن أدخل السينما لأنام بعد ربع ساعة من بدء عرض الفيلم، أن أخرج برفقة صديق لأعتذر وأتركه بعد خمس دقائق. أن أتعرف على شخص جديد، ربما لمحاولة بدء علاقة جديدة، ثم ينتهي الأمر كله بعد ربع ساعة فحسب، أدفع الحساب وأترك المقهى والشخص المذهول أو الغاضب وكل شيء، أمضي من دون أن ألتفت خلفي أبدًا. كان الخوف لا يزال حاضرًا ثقيلًا، غاب الغضب بالتأكيد، قلت فترة الاطمئنان كثيرًا، زادت فترة التعاسة إلى حد أصبح مرهقًا للغاية.

تصبح مشاعر مرغوبة عادة كالحب والإعجاب والاطمئنان مربكة تمامًا، تثير ردود أفعالي في مَن حولي التعجب طوال الوقت، حتى بعد إخماد الغضب لم أنجح في التواصل مع الكثيرين، التعبير عن التقدير يقابل بجمود، التعبير عن الحب يقابل برفض غاضب، الشعور بالاطمئنان يثير فيَّ الخوف لأني أعلم تمامًا أنه شعور مؤقت وأن ما يتبعه سيء.

أذكر أني كنت في بيروت لأستمتع بإجازة مع أسرتي، فوجئت أن أحد الأصدقاء قد دخل المستشفى قبل أن أصل بساعات، حالما وصلت الفندق غادرت وذهبت لزيارته في المستشفى القريبة. عندما رأيته في حالة معقولة اطمأننت قليلًا، بقيت إلى جانبه دقائق ثم غادرت، مشيت من المستشفى إلى الفندق، فكرت كثيرًا في مرضه ووضعه وأنه لا يستحق أبدًا ما حدث له، لكني أيضًا فكرت أنه يتلقى الآن كل عناية ممكنة، وأنه الآن محاط بمَن يحبهم كثيرًا فلا بد أنه مطمئن. انتبهت إلى رسالة قصيرة أرسلتها زوجتي عندما كنت في المستشفى، قالت إنها ستنام قليلًا في الفندق حتى أعود، تابعت المشي وفي طريقي وجدت فرنًا يبيع مناقيش، اشتريت منقوشة زعتر وعلبة عصير تفاح، جلست على حوض زهور أمام الفرن وأكلت، استمتعت بملوحة الزعتر وبرودة العصير. كان المذاقان أوضح تجسيد لشعور الاطمئنان الذي أحاطني في تلك الدقائق. بعدما انتهيت تابعت المشي إلى الفندق، ومع كل خطوة كانت سيطرة التعاسة تزداد ببطء، قبل أن أصل إلى الفندق أدركت أني لا يجب أن أستسلم لسيطرتها، أنا في إجازة مع أسرتي ويجب أن أستمتع، استدرت ومشيت في الاتجاه المعاكس عائدًا إلى الفرن. ظننت أن العودة ستقلل سيطرة التعاسة كما زادها الذهاب، لكني كلما مشيت خطوات أدركت أن سيطرتها تزداد، عندما وصلت إلى الفرن لمت نفسي بشدة على تصرفي الساذج. استمرت التعاسة مسيطرة عليَّ طوال فترة بقائي في بيروت.

كنت قد عبرت إلى الأربعين واستسلمت للخوف تمامًا، عندما اضطررت لعمل أشعة رنين مغناطيسي على المخ ثلاث مرات خلال شهور قليلة. كنت خائفًا في المرة الأولى من احتمال وجود جلطة في المخ، أو ربما ورم في أطواره الأولى. طلب مني الفني الذي يشغل جهاز الأشعة أن أترك أي شيء معدني في صندوق قبل دخولي إلى غرفة الجهاز، ثم ساعدني على الاستلقاء على السرير الذي سيتحرك خلال دقائق ليدخل وأنا عليه في قلب الجهاز، وضع سماعتين كبيرتين على أذني لعزل صوت الجهاز المزعج، وطلب مني ألا أتحرك أدنى حركة أثناء عمل الجهاز. انتهى العمل بعد نصف ساعة تقريبًا، كنت خائفًا من نتيجة الأشعة التي طبعها الفني بسرعة فلم أنتبه لكل الأشياء المزعجة التي حدثت وأنا في الداخل، عدت إلى الطبيبة لتخبرني بأني كل شيء على ما يرام. اضطررت لتكرار الأشعة نفسها مرتين بعد ذلك دون أن يفهم أي من الأطباء سبب ما يحدث لي، وعندما استشرت طبيبًا جديدًا قال إن كل ما فعلته خلال الشهور الماضية لا فائدة منه، وإن عليَّ أن أعمل أربع أشعات على المخ هذه المرة. كنت قد طوّرت آليات للتغلب على الخوف الناتج من البقاء داخل الجهاز؛ التغلب على الخوف من الضيق الذي يذكر بالقبر كان سهلًا، فكرت أني عندما سأموت فلن أشعر بشيء، وبالتالي المقارنة بين الجهاز والقبر لا معنى لها، ثم إني لا أعرف إن كنت سأدفن أم لا.

التغلب على الإزعاج الناتج من أصوات الجهاز كان سهلًا أيضًا، تخيلت أني أسمع مقطعًا موسيقيًا طويلًا، من النوع الذي يسمى dubstep، مذهل تمامًا التشابه بينهما، استمتعت حقًا بالتنوع والتغيّر المفاجئ في أصوات الجهاز، وإن خلت الأصوات من الكريشندو المتكرر عادة في نوع الموسيقى المذكور. المرة الرابعة كانت مختلفة، هذه المرة سأقوم بعمل أربع أشعات دفعة واحدة، وبدلًا من أن يستغرق الأمر ثلث أو نصف ساعة، سيستغرق الأمر ما يقرب من ساعة ونصف. في داخل الجهاز قمت بعمل كل شيء، فكرت في أني لن أشعر بشيء عندما أموت، تخيلت أني أسمع قطعة موسيقية طويلة، لكني لم أتغلب قط على محاولة تثبيت رأسي وكتفي أثناء استلقائي، حاولت إلهاء نفسي بالتفكير في أشياء كثيرة، كنت أفشل كل مرة وأعود للتفكير في ضرورة تثبيت نفسي، ساعة ونصف من محاولة الابتعاد عن فكرة التثبيت والعودة إليها. حاولت طرد فكرة أني إن تحركت فسأضطر لإعادة كل شيء من البداية، لم أتمكن من طردها قط. أخيرًا انتهى عمل الجهاز وقمت من على السرير وشعرت بالطمأنينة تغمرني، خرجت من غرفة الجهاز وتحركت نحو الممرض وسلمت عليه واتجهت إلى السلم، أثناء نزولي السلم انتهت الطمأنينة وأخذت التعاسة تسيطر ببطء وثقل لم أعهدهما من قبل، شعرت أن التعاسة هذه المرة مصرة على فعل شيء ما لم أدركه في تلك الدقائق وأنها لم تعد تريد السيطرة عليَّ فحسب. لم أفهم قط لمَ وقفت لمدة ساعة كاملة متخشبًا أمام مبنى مركز الأشعة، مع أن سيارات تاكسي كثيرة مرت أمامي من دون أن أمدّ يدي لإيقاف أي منها، لم أفهم لم تجمدت في التاكسي دون أدنى حركة، لم أفهم لم قعدت طوال باقي اليوم من دون حركة على أحد كراسي المنزل. كنت أسمع صوت اهتزاز الموبايل معلنًا وصول رسائل لي، لم أهتم وبقيت ثابتًا على الكرسي، في تلك الليلة نمت مستلقيًا على ظهري ورأسي وكتفيي في وضع ثابت وذراعاي ممددتان إلى جانبي، لم أتحرك وأيضًا لم أنم، وطلع الصباح لأجد أني لا زلت على الوضع نفسه. في اليوم التالي استمر الوضع المتخشب، أمام حوض الحمام، على التواليت، في الشباك، على المكتب، وليلًا على الكرسي نفسه، أخيرًا مددتُ يدي وأمسكت بالموبايل لأرى ما وصلني من رسائل، وجدتُ أن أحد الأصدقاء قد أرسل لي سكرينشوت لتغريدة كُتبت عني، لم أهتم على الرغم من محتواها الحاد. بعد دقائق أرسل إليَّ شخص لا أعرفه رابطًا لمجموعة تغريدات كتبها صاحب التغريدة الأولى، كان محتوى التغريدات يتلخص في عرض معلومات عني وعن زوجتي، كلها معلومات يمكن معرفتها ببساطة من حسابات الفيسبوك ولينكد إن الخاصة بنا، لكن عرض المعلومات نفسها تم بطريقة ملتوية توحي بأني أرتكب جرائم لا أمارس حياتي الطبيعية، حملت إحدى التغريدات تهديدًا واضحًا بإنشاء حساب تويتر وهمي وإطلاق إشاعات تجاهي من خلاله، تتهمني باتهامات مشينة وغير أخلاقية، قال صاحب التغريدات إن فعل ذلك سهل للغاية الآن، يدعم هذه الإشاعات ما كتبته في إحدى رواياتي. تهديد كهذا كان من المفترض أن يخيفني كثيرًا، لكني قرأت التغريدات ببرود ومن دون التفكير في أي رد فعل، لم أفكر حتى في التقاط سكرينشوت للتغريدات وخاصة التغريدة المهددة. بعد ثلاثة أيام، وبعد انحسار جزئي للتعاسة، تذكرت ما قرأت وخفت حقًا. عدت لحساب صاحب التغريدات فوجدتها كلها قد ألغيت، كان من الواضح في ذلك الوقت أن صاحب التغريدات يريد إثارة خوفي فقط. لم أتساءل قط لمَ فعل ذلك، لكني تساءلت كثيرًا عن برودي وانعدام رد فعلي عندما قرأت التغريدات أول مرة، ثم أدركتُ أني لم أخف من التغريدات لأن التعاسة كانت قد تعدت مرحلة السيطرة بكثير، وأنها الآن ربما ترغب وتخطط وتعمل على إيذائي حقًا، كأن تشغلني عما قد يهددني فعليًا، كانت تفعل ذلك بطريقتها الخاصة المركبة، كانت كيانًا مستقلًا يستمتع بصرامة وإخلاص بعملية إيذائي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.