أرواحنا في المساء

أرواحنا في المساء

اللوحة: الفنانة اللبنانية سيتا مانوكيان

عنوان فيلم أجبني صدر عام «2017»، يحكي عن رجل وامرأة تجاوزا السبعين من العمر، جيران في حي منذ عشرات السنين، العلاقة بينهما سطحية ونادرا ما يجمعهما لقاء عام، لكل منهما حياته وقصته التي وصلت إلى الصفحة قبل الأخيرة، انعزل كل واحد منهما في بيته وحيدا، طرقت المرأة عليه الباب فاندهش لرؤيتها، جلست وصمتت قليلا ثم استجمعت شجاعتها وقالت: «أريد أنْ أعرض عليك أمرا، أنا مثلك أرملة وأحيا وحدي، وأعاني في المساء وخاصة حين أرقد وحدي للنوم، وأصارع الأرق باستمرار، أريدك أن تأتي إليَ في المساء في بعض الأيام، وتنام بجواري في السرير، لا أريد جنسا، فقدت الرغبة فيه منذ خمسة عشر عاما، فقط أريد من يتحدث معي وأنا مستلقية على السرير، أريد رجلا يتنفس بجواري، فربما أستطيع النوم بسلام، أنا لم أعرض هذا الأمر إلا عليك، لأننا جيران منذ أربعين عاما وأعلم أنك شخصية متزنة».

بعد زوال أثر المفاجأة، قال: «سوف أفكر في الأمر».

«لا بد أن أنبه إلى أنَّه مجتمع أوربي وأمريكي، وليس مجتمعنا الشرقي»

قَبِل الرجل العرض، وأصبح لحياتهما طعم، وربما لو طال الوقت لتزوجا، ولكن أدهشني أنَّ الخيال الأمريكي استسلم لضغوط الواقع، فأنهى الفيلم على أنَّها تضطر لأنْ تسكن مع ابنها الفاشل في زواجه، والذي ضغط عليها عاطفيا لترعى ابنه وتسكن معه في مدينة بعيدة، وختم المخرج الفيلم بمشهد العجوزين، يتحدثان تليفونيا في المساء لمحاولة التغلب على الأرق.  

سر إعجابي بهذا الفيلم هو التنبيه لحاجات بشرية بسيطة وبريئة ويصعب النطق بها، وأغلب هذه الحالات يحققها «الزواج الشرعي»، وللناس حاجات كثيرة ولا تتطابق، ولكن يصعب أنْ يفهم الإنسان نفسه، ويصعب أن يفهمه الآخر، ويصعب أن يبوح بما يريد، فاختزال كل حاجات الإنسان في الجنس طغى على حاجات أخرى تُلح على الإنسان في قوة وصمت.

***

يتكرر في الأفلام الأمريكية مشهد «رجل أو أمرأه»، يُبتلى كل منهم بموقف تَخَلي «طلاق، خيانة زوجية، اختفاء أو رحيل الرفيق، وفاة ..إلخ»، فجأة يجد الإنسان نفسه أسير صدمة قاسية، يحترم الأقرباء ألمه، ويمر وقت قصير لا يتَعَدَّى أسابيع، ثم يسترد الإنسان نفسه، فيتهيأ نفسيا لتجربة وارتباط جديد، فيصبح مثل المنزل الذي رحل ساكنوه، وأصبح مهيأ لاستقبال ساكن جديد.

لا يتوقف الإنسان عن مواصلة الحياة وتعرضه لفُرَصِها والإصرار على نيل بقية حظه منها، فالإنسان الغربي لا تستغرقه مشاعر المأساة مدى الحياة، يُجرَح ويُعالَج ويُشْفى ثم يُجرح ويُعالَج ويُشفى ثانية وثالثة ورابعة، يتعامل مع تجارب الحياة بنفسية الرحلة متعددة المراحل.

الإنسان العربي يتعامل بنفسية «الحياة مثل عود الكبريت يشتعل مرة واحدة»، يهبط العربي إلى ملعب الحياة والزواج بلا تدريب ولا خبرة، وبحسب حظه المجهول، قد تستمر الحياة بتقلباتها وآلامها حتى يرحل، وقد يحدث فشل وفراق، ولكن يعقب هذه التجربة اليتيمة مشاعر المأساة، لكل عربي في الحياة قصة واحدة لحياة واحدة، ولكل غربي في الحياة قصص داخل فرصة الحياة الواحدة.

***

للإنسان فك علوي وفك سفلي، شاءت الحكمة الإلهية أنْ يتحرك فقط الفك السفلي، ماذا لو انطبق الفكان على بعضهما ولم يتحرك كلاهما؟، الشرع هو الفك العلوي، وعُرف المجتمع هو الفلك السفلي، لهذا لا بد أن تكون استجابة المجتمع للمتغيرات الحياتية وفقا للشرع ومراعية لصالح المجتمع، مع سكون الشرع وحين يتخشب العرف المجتمعي ويفقد مرونته، سوف يطحن الإنسان بين أنيابهما وضروسهما.

لا يمكن أن يسمح الدين بأنْ تُطَبق أحكامه في مجتمع مسدود، وهذا ما ألجأ عمر بن الخطاب أنْ يعطل حد السرقة في عام الرمادة، لكن ليست كل الأحكام ممكن تعطيلها، فالاعتداء على الأعراض لا يُعطل عقابه، هناك قصة مشهورة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرر في نهايتها أنَّ المحارب لا يغيب عن أهله أكثر من أربعة أشهر، كي يرجع إلى زوجته، فالدين يضبط شهوات وحاجات الإنسان ولا يقهرها.

***

«وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ». هذه الآية من سورة النور، هي دعوة لتيسير زواج الجميع سواء؛ «أحرار أو عبيد أو إماء» كما في التفسير وظاهر الآية. وعدم الاستجابة لهذه الدعوة يؤدي لمعاناة وأمراض خطيرة بالمجتمع، ويؤدي لضغوط شديدة على ضمير وأخلاق الناس، وبمرور السنين تتزايد تلك الضغوط وقد يضعف الضمير وتنفلت الخيانات.

«تدعوا الآية للصبر عن الحاجة للزواج حتى يغنيهم الله من فضله». السؤال الذي يرد بداهة هو: هل قصدت الآية حالة الأقلية أم الأكثرية؟، بمعنى، لو أن قرية بها مائة شاب ومائة فتاة وفي سن الزواج، هل يتوقع أن يكون ثلاثة أرباعهم قادرين على الزواج أم غير قادرين على الزواج؟، الآية تدعوا أن يصبر الأكثرية أم الأقلية؟ هل تتحدث الآية وكأن الأصل هو الاستطاعة أم عدم الاستطاعة؟.

الأصل في أي مجتمع أن يكون الزواج ميسر لأغلب الناس، والفقراء هم الأقلية وهم الذين حثت الآية المجتمعَ على مساعدتهم، لنفكر في هذا التساؤل ثم نلقي نظرة تأملية على مجتمعنا، لنعرف هل بنيته طبيعية أم شاذة؟ هل القادر على الزواج ورعاية أسرة أكثرية أم أقلية؟ ماء الحياة يسقط على الأرض الخصبة فينبثق النبات، وماء الدين يجب أن يسقط على بشر يحيون حياة طبيعة يسيرة لتلبية حاجات الناس الضرورية، تهبط شرائع الدين على الإنسان بتكاليف تقوم بتنظيم النعم الإلهية، وحين يتطرف ويضل المجتمع فيطغى في توزيع تلك النعم، يصبح الزواج الحلال عسيرا على أغلب الشباب، هنا تصبح الحياة عسيرة ويتعسر الحلال ويسهل الحرام.

***

في فيلم «امبراطورية ميم»، يجسد أرملة لديها عدد كبير من الأولاد والبنات، انجذبت مشاعرها إلى شخص مناسب لها ويحتل وظيفة تضطره إلى السفر كثيرا، تحتار بين دنياها ومسؤوليتها كأم وبين مشاعرها ورغبتها في الزواج من الذي أنست إليه، وانتهى الفيلم إلى الحبكة المصرية الشهيرة والتي تضطرها للتضحية والتخلي عن فكرة الزواج ويفترقا. وهكذا نظل قابعين في ثنائية الأبيض والأسود، ومسجونين مع أفكارنا وتصوراتنا وعاداتنا في أطر مغلقة ثابتة، ونكون مثل من يتعامل مع الحوادث كأحذية ثابتة المقاس.

اليوم يوجد اختراع حديث للنظارات حيث يتم زيادة وتقليل مقاس النظر خلال مسمار زمبركي، فلا نحتاج لتغيير النظارة ويكفي إدارة المسمار لضبط النظر. هذه النظارة المرنة تشبه أحلامي في مرونة مواجهة حوادث الحياة المختلفة متحررا من الأطر الثابتة بدون تصادم مع الشرع.

النادر أن يعثر الإنسان على من يستريح له ويناسبه في رفقة بقية الحياة. وفي هذا الفيلم عثر كل منهما على الآخر في هذا العمر المتقدم، ولكن من عالج الفيلم سَجَنَ الشخوص والجمهور في فكرة زواج تقليدي يجمع الزوج والزوجة والأولاد في بيت واحد وتحت سقف واحد، وهذا بالفعل شبه مستحيل، وهنا ننتبه إلى الإطار الذي نسجن فيه أفكارنا عن الزواج، ففي القرآن الكريم الزواج هو علاقة شرعية مشهرة بين رجل وامرأة، لم يضع الشرع خطوطا حديدية للتفاصيل، وبهذا المفهوم ينال كل منهما برد الفؤاد وراحة الجسد وثمرة الحياة بسهولة، وخاصة حين يكون لكل من الرجل والمرأة حياة أخرى تشغلهما، فتفرغ الزوجة لأولادها لا يتعارض مع كونها زوجة وحبيبة لرجل أختاره قلبها، لم يفرض الشرع عليهما سكن مشترك أو حياة كاملة أو أي تفاصيل، ليتزوج الاثنان بالحلال ويختارا أي مسار لحياتهما بحيث لا يؤثر على المسؤولية تجاه الأولاد، فلا يكون وصال كامل ولا فراق كامل، الإطار المرن هو ما نحتاجه في طريقة تفكيرنا ومعالجة منطقنا بما يتوافق مع الشرع، ولكننا لا نفعل ولا يخطر ببالنا أن نفعل، فالزواج عندنا يعني، زوج وزوجة وشقة وعفش ومهر وشبكة وقايمة ومؤخر وفرح وسيشن ودباديب وإنجاب ومدارس وعشرات الأشياء الأخرى، والمجانين في شقاء وليس في نعيم.

***

هناك ضرورة لفك عُقَد إجراءات الزواج بحيث نَفْصل الديني عن المجتمعي.. الزواج جوهرة موضوعة في علبة دينية أصيلة، العلبة موضوعة داخل سلسلة علب حديدية صدأة، يجب أن تكون سهولة الدخول في الزواج يتبعها سهولة الخروج منه، هذا هو الخير للجميع، الإنجاب يجب أن يكون وفقا للظروف وبعد التأكد من صلاح الحياة معا، اشترط الإسلام إيجابا وقبولا وشهود، هذه هي الجوهرة الدينية، المذهل من روايات كثيرة واقعية، لم أفهمها وليتني أجد من يشرحها لي، هي صعوبة زواج المطلقين أو الأرامل من الجنسين، العقبة المادية في هذا الزمان مشكلة حقيقية، هناك مطلقات وأرامل ومن لديهن أولاد، وعندما يُعرض عليهن الزواج يطلبن طلبات غريبة، المدهش أني خَبِرت أحداثا تكون المرأة لديها شقتها ولها مال يكفيها ومع ذلك تتمسك بشرط الإنفاق والشبكة والشقة والمؤخر وبقية العلب الحديدية، النبي ﷺ تزوج السيدة خديجة، وهي التي أنفقت عليه مالها في الدعوة للإسلام، وهو الذي عمل في تجارتها، كان يشتغل عندها، ومع ذلك، هذه هي القصة الأم التي يتجاهلها الرجال والنساء، ولا ننتبه لقاعدة أنَّ من معه ينفق، ومن لديه شقة يجعلها لعش الزوجية، ومن لديه أولاد ويصعب فراقهم فليتزوج ويظل كل منهما في شقته ومع أولاده إلى أن يأتي الوقت المناسب للاجتماع الكامل، الأرملة والمطلقة يجب أن يكون لديهما العصمة وهذا هو الأولى من الشبكة والإنفاق والشقة، العصمة تعني أنها حين تتعسر الحياة وخاصة بسبب الغدر أو بسبب الأولاد تطلق نفسها، كفانا النظرة الذكورية التي تمنع الرجل من قبول هذا الشرط، فالعصمة حرية له ولها ولا علاقة بينها وبين الرجولة المتضخمة، يجب أن تتغير نظرتنا للمرأة سواء تزوجت مرة أو عشر مرات، فنحن لا نعبأ بالرجل وتاريخه بينما نحصي على المرأة كل تاريخها ونعتقد أن المرأة مادة استهلاكية.

يجب أن تهمنا المرأة التي تحضر أمامنا الآن، حتى لو طلقت عشر مرات فهذا لا يعني أنها المخطئة، النصيب حين يأتي يُخرج أروع ما في الإنسان، فربما طلقت عشر مرات لأنها هي السعادة المكتوبة لك، نحن بين نساء يتمسكن بأصنام إجراءات الزواج وضماناته، وبين رجال يقرأون كتاب المرأة بحساسية حين يتقدمون للزواج منها، فيصنفوها بحسب عذريتها وتاريخها وأولادها، لابد من تيسير الارتباط وتيسير الانفصال وتغيير النظرة للمطلقة والأرملة، فييسر للرجل والمرأة الوصال وفق الشرع، وليتوقف المجتمع عن تطفله.

***

لماذا يكون الجَد أكثر عطفا وحلما وحكمة مع الأحفاد؟، على الرغم أنَّه نفسه حين كان أبا لم يكن بهذا العطف والحلم والحكمة، بل ربما في شبابه كان يلطم ويشتم ويوبخ أولاده بنفاذ صبر.

لماذا عندما تتزوج فتاة رجلا يكبرها بسنوات كثيرة تراه أكثر حنانا وكرما في حبه؟، ولماذا الرجل/المرأة الذي يسبق له الزواج يكون أكثر أدبا في المرة الثانية للزواج؟

قد تكون الإجابة أنَّ: « الزمن خير معلم، وطالما معظم الناس لا يقرأون فلا حل سوى التجارب» وأنّهَ « حين يفقد الإنسان فرص وأدوات وسنوات؛ ينظر لما تبقى بين يديه ويحرص عليه».

الجد أدرك في نهاية الحياة أنَّ الطفل والولد والبنت ليسوا ماكينات بأزرار ولهم كتالوج، الإنسان الذي يتزوج بعد مرور العمر يكون حريصا على نجاح الفرصة التي يظنها الأخيرة، ولهذا فالسعادة بين الرجل والمرأة تتناسب مع قدر الإحساس بجوهرة العلاقة بينهما، والنادر من يدرك تلك الجوهرة في زواجه البكر، فالغرور وتلقين الأهل والسذاجة والجهل والأنا حواجز تتراكم بين الزوجين.

***

لو تخيلنا مبنى كبيرا وبه مئات الغرف الواسعة والعالية السقف، وفي المبنى أثاث كثير وكبير ومتناثر في كل الغرف والصالونات، أغلب هذا الأثاث مناضد ودواليب ومقاعد صالون وأجهزة كهربائية وتُحف وقليل من الأسِرَّة، موزعون في ترتيب بديع أشبه بالمتحف، هو بالفعل يصلح متحفا، ولكن المتحف لا يَصلح ولا يكفي للنوم؟

هل سكان هذا المبنى سعداء؟ مستريحون؟ هانئون؟ منبسطون؟، ألا يواجهون مشكلة لا يستغني عنها إنسان وهي الخلود إلى النوم؟، الأسِرَّة قليلة جدا ولا تكفي. والأثاث والأجهزة الكهربائية والتحف لا تصلح للنوم، هذه هي لوحة من وجهة نظري تمثل حياة شبابنا في النصف قرن الأخير. وعلى الشباب أن يدركوا أنهم لا يحتاجون متحفا، بل عليهم إخراج كل ما هو زائد وإعادة ترتيب كل شيء بالمبنى، ولا ينسوا أهم شيء، الأسِرَّة.

لماذا أقول هذا الكلام؟.. كل الإحصاءات العالمية الموثقة تتفق على حقيقة مؤكدة بالأرقام: عدد الذكور والإناث في كوكب الأرض متعادل. بل ويزيد عدد الذكور قليلا على عدد الإناث. فلماذا الرجال من المريخ والنساء من الزهرة؟ ولماذا يتحدث الرجال عن النساء ويتحدث النساء عن الرجال وكأنهم؛ يتحدثون عن شيء نادر.. قليل.. لا يناله سوى المحظوظون؟ كيف والواقع أنَّ أوفر من في الأرض الرجال والنساء؟ وكيف أنَّ الشعور العام، هو أنَّ أندر من في الأرض الرجال والنساء؟.. ألسنا مجانين؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.