اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم
د. عوض الغباري

عاش أ.د. حسين نصار ملتزما بمنهج العلم متخلقا بآداب العلماء الذين أدبهم علمهم، وعاش إنسانا رقيقا دمث الأخلاق هادئا رزينا لم يحد عن جادة الصواب قولا وعملا.
عاش أستاذى – رحمة الله- مخلصا للعلم، مؤديا رسالته فى تكوين مدرسة علمية عمادها تلاميذه الذين أحبهم وأحبوه. وقد أشرف على عدد كبير من الرسائل العلمية التى أصبح كثير من أصحابها من أعلام الأساتذة فى مصر والعالم العربى. قدم عشرات الكتب فى الدراسات اللغوية والأدبية والإسلامية بين تأليف وتحقيق وترجمة.
إضافة إلى مقالات كثيرة فى الفكر والفن والسياسة والأدب وغيرها. ودأب أستاذنا على البحث العلمى طيلة حياته المباركة، مخلصا للقيم العلمية، مؤمنا بدور العلم فى التوجه الإنسانى القويم، متصفا بالأمانة والصدق فيما قدَّم من علم غزير، متواضعا تواضع العلماء الأصلاء.
وتنوع إنتاجه العلمى غنيا ثريا دقيقا رصينا فى أفانين من الأسلوب العلمى صاغه فى إهاب أدبى بليغ، وعبارة تحمل – مع إيجازها- الكثير من الحكمة والبراعة.
لم تشغله المناصب الرفيعة ولا الأسفار الكثيرة عن العلم الذى استغرق حياته واهتمامه حتى صار راهبا فى محرابه. نشأ كأغلب الطبقة المصرية المتوسطة فى مصر، حيث ولد بأسيوط سنة 1925.
ومنها بدأت رحلة حياة علمية وإنسانية حافلة بالعطاء والإبداع إلى أن توفاه الله.
وقد طاف بألوان من العلوم والمعارف والثقافات الواسعة؛ قديمة وحديثة، بادئا إنجازه العلمى بكتاب”نشاة الكتابة الفنية فى الأدب العربى”، والكتاب المرجعى فى المعاجم العربية. وبرزت جهوده العلمية فى ريادته لدراسة الأدب المصرى، وتأصيله لقضاياه، ودراسته لأعلامه، وتحقيقه لتراثه فقدم لنا، مثلا، ديوان ظافر الحداد، دراسة وتحقيقا، وديوان ابن وكيع التنيسى، كذلك.
وكانت دراساته فى الأدب العربى تأكيدا لدور هذا الأدب فى التعبير عن أصالته العربية كما تبدى فى كتابه “مصر العربية”.
كذلك نبه إلى ارتباط هذا الأدب المصرى بطبيعة مصر، وحب أدباء مصر لها، وارتباطهم بتاريخها وتراثها وحضارتها، وخصوصيتها الثقافية.
وأكدَّ حصوله على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب سنة 1986 مكانته العلمية الرفيعة، وريادته لدراسة الأدب المصرى، وفرادته فى دراسة الجانب الشعبى فى الأدب العربى، والأدب المصرى.
كذلك تعددت مجالات مؤلفاته وابتكاره لمناهج دراساته، وتحقيقاته لكتب التراث العربى، واتصاله بالفنون، خاصة ترجماته للكتب التى تناولت الموسيقى العربية.
وتجلى عمقه وتبحره فى علوم اللغة العربية فى دراسته لإعجاز القرآن الكريم.
وحفلت حياة أستاذنا برحلات كثيرة إلى بلاد العالم عربيا وغربيا، وتوافق معه تأليفه لكتاب عن أدب الرحلة، وتأصيله للتواصل الإنسانى عبر الرحلة.
وتُوِّجت حياته العلمية بحصوله على أرفع جائزة فى مصر وهى جائزة النيل (مبارك سابقا) سنة 2006 بعد حصوله على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1983، وحصوله على جائزة الملك فيصل سنة 2004. وجاءت مبررات هذه الجوائز مؤكِّدة لتميزه العلمى والثقافى والفكرى، وخلقه الإنسانى الجميل الأصيل.
فقد اتسم بالثقة فى خطواته، والهدوء فى إنجاز أعماله، وتنظيم وقته، والجد فى الاضطلاع بواجباته ومسئولياته.
كما اتسم بقلب كبير، وابتسامة مشرقة، ورحابة صدر، ورجاحة عقل، وميل إلى المنهجية والموضوعية، وتحرى الحق والصدق فى كل منصب تقلده سواء فى رئاسته لقسم اللغة العربية أو عمادته لكلية الآداب- جامعة القاهرة بعد وكالته لها، أو إدارته لمعهد المخطوطات العربية، أو رئاسته لأكاديمية الفنون، أو غير ذلك من المناصب الرفيعة التى تقلدها.
ولم ينفصل مع انشغاله بالعلم، وتقلده للمناصب الكثيرة عن الشأن الثقافى العام، ولا المشاكل المهمة فى مجتمعه، بل شارك بمقالاته وإسهاماته فى تجلية قضايا الفكر والفن والثقافة والتاريخ والسياسة.
ولأستاذنا حضوره فى المجالس والجمعيات الكثيرة رئيسا أو مقررا لها، أو عضوا بها. لقد اجتهد، ولم يدخر وسعا فى بذل العلم لتلاميذه، وفى فعل الخير لمجتمعه، لا يعدم خير جزائه، كما قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
وأستاذنا مأجور لعلمه وفضله فى حياته وبعد مماته، حيث لا ينقطع عمله من علم يُنتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، كما هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشريف. وأستاذنا الدكتور حسين نصار من علمائنا المنصفين للحق، لم يكتب إلا ما أرضى به الله، وضميره الحى النابض بالعلم والإيمان وحب الناس. وقد حقق فى كتاباته الغزيرة النافعة هذا الهدف النبيل من العلم الذى ينفع الناس، ويمكث فى الأرض، متحريا قول الشاعر:
فلا تكتب بخطك غير شئ
يسرك فى القيامة أن تراه
وأستاذنا – إن شاء الله- فى درجة عالية لقوله تعالى:
“يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ“
كان أدبه ورقته وسمته النبيل، وإيقاع صوته المحبب من علامات شخصيته المتفردة القريبة من القلوب.
كان متفاعلا حاضرا مؤثرا فى مجريات الحياة العلمية والإنسانية على المستوى الخاص وعلى المستوى العام.
وتوفاه الله حاضر الذهن حتى لحظاته الأخيرة، وأكرمه بالوفاة فى ليلة المولد النبوى المباركة. وعزاؤنا فى مصابنا الجلل بفقده هذا الحضور له بعد غيابه، وقد قال الشاعر:
فاصنع لنفسك قبل موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثان
والناس موتى وأهل العلم أحياء.
فأستاذنا ماثل أمامنا بطيب ذكره، وبسيرته الذكية وعلمه الجم، وفضله العميم، وصلاحه وتقواه، والعلماء – كأستاذنا الدكتور حسين نصار- هداة ونور للناس، وهم حياة للقلوب بنور الحكمة، وهم ورثة للأنبياء. ولذلك فالجنة طريقهم المأمول بفضل الله سبحانه وتعالى.
وقد قال الرسول – صلى الله عليه وسلم- “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة”.
ومن آثاره العلمية الباقية تحقيقه للتراث المصرى مثل تحقيقه ودراسته لشعر ابن وكيع التنيسى يرى حسين نصار أن هذا الشاعر ربيب بيئته المصرية، فشعره معرض فني لمناظرها المختلفة كما أن خفة روحه فى هذا الشعر تعكس وجها مصريا خالصا.
يمثل البديع ظاهرة أسلوبية متميزة فى الأدب المصرى وفى شعر ابن وكيع خاصة يشكلها فى شعره دون تكلف أو تعمد.
والتشكيل البديعى فى الشعر المصرى ظاهرة واضحة ترتبط بمفهوم الشعراء المصريين، وكذلك النقاد، للبديع، وعده من أهم المؤثرات الأسلوبية في الأدب، فلم ينظروا إليه حلية لفظية، أو وسيلة لصياغة الشعر، بل وظفوه توظيفا جماليا جعله غاية الأدب.
وفى دراسته لشعر ظافر الحداد يطرح حسين نصار منهجه لدراسة الأدب، فيؤكد أن التاريخ السياسى لعصر شاعر ليس هدف الدراسة الأدبية فنحن، على حد قوله ” حين نترجم لشاعر، لانؤرخ لعصره، وإنما نؤرخ لرؤيته لعصره، وإحساسه، وكلما أحسنَّا هذا اللون من التأريخ كان منهجنا أقرب إلى دراستنا الأدبية “.
أما كيف أحس ظافر بمصر، وتجلى ذلك فى شعره، فإننا نختار من التجليات المصرية الكثيرة فى هذا الشعر مايكاد يعد ظاهرة أدبية فى شعر ظافر، وهو تصويره للغربة فى شعره فى الحنين إلى الإسكندرية.
ويجعل حسين نصار شعور ظافر بالغربة مصدر شاعريته وبراعته الفنية.
ويحلل حسين نصار “صورة الإسكندرية” فى شعر ظافر، خاصة مايُجلِّى منها موقفه من الطبيعة، مصورا كل مجالي الجمال فيها.
إنَّ شعر الطبيعة فى ديوان ظافر، فى رأى حسين نصار، يجعله ابنا للطبيعة المصرية، وشعره فى الحنين إلى الإسكندرية، خاصة، أروع ما نظم.
هنا يلتقى ظافر الحداد مع ابن وكيع فى بعض الظواهر الفنية التى تتجلى فيها بعض خصائص الشعر المصرى، كما يلتقى به فى استمداده من البيئة المصرية معانى وصورا شعرية تتصل بمجتمعه، وبالواقع الجارى أمامه. ويصور مصر: الأهرام والنيل هذه الصورة الشهيرة البديعة:
تأمل هيئة الهرمين وانظر
وبينهما أبو الهولِ العجيب
كعُمَّاريّتَيْن على رحيل
بمحبوبين بينهما رقيب
وماءُ النيل تحتهما دموع
وصوت الريح عندهما نحيب
وظاهِرُ سجن يوسف مثل صَبٍّ
تخلَّف فهو محزون كئيب
يمثل البديع، خاصة الطباق والجناس، ظاهرة فنية فى شعر ظافر الحداد، ويكشف عن جانب من شخصيته فى ظاهرة أخرى فى شعره هى ميله إلى الفكاهة والسخرية؛ صورها فى صور تتسم بخفة الظل وحلاوة الروح، مؤكدا التقاءه بابن وكيع التنيسي في شعر مصري يكشف عن بعض جوانب الشخصية المصرية فى الأدب العربى.
وبعد فقد كان حسين نصار متعدد العطاءات العلمية من تحقيق التراث والترجمة والمقالات فى الصحف والمجلات، وقد ترك ميراثا غنيا من الزاد المعرفى الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.

حسين نصار