اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر
محمد محمود غدية

الوهن
يقتحم الوهن أيامه، تخبو شعلة فؤاده وتنكسر، موج البحر في تدافعه وصخبه، يشعل طنينا في أذنيه، يطل من شباك البحر، الطيور السابحة في الفضاء، قادمة من ثنايا السحب الداكنة، الشمس لا تبين حجبتها غيوم ثقيلة، استسلم لسلطان النوم الطاغي الذي لا يقف في طريقه أحد، بعد أن فشل في الرحيل الى بلاد أخرى وبحار أخرى، تتبعه مدينته وقطع الليل المظلم، كاد أن يمزق جواز سفره، بعد اكتشافه أن كل المطارات التي هبط اليها غير مرحبة به، في جعبته الكثير من الحكايات أهمها: رجل وامرأة في رقة السوسن وقامة الخيزران، كانا يمران عبر الضوء الضبابي الشاحب وصخب الموج، انكسرا قبل بلوغهما النهر، وغابا بين نجوم آفلة، وسحب داكنة.
قلبان على جذع شجرة عجوز
حفرا بآلة حادة، أغلب الظن أنها قطعة من زجاج مكسور، مفرش مرسوم عليه مربعات الشطرنج الأبيض والأسود، فوق طاولة نظفت حديثا في مقهى، قدح من الشاي في يد حسناء، خارجة في التو من أغلفة المجلات، تجتر ذكرياتها التي تحف بها من كل جانب أطياف وخيالات من ذلك الزمن الغابر، تخرج من حقيبتها ورقة وقلم، تكتب وتكتب، تطلب قدح ثان من القهوة الغاطسة في السواد، تركض بين النجوم وتطارد الأقمار، تكتب رسالة تتبعها بأخرى، ثم تكومها في قبضة يدها، وتلقي بها في سلة المهملات وتمضي.
ثلاثينية تتهادى في خطوات رشيقة
لا تستطيع جاذبية الأرض الإمساك بها، جمالها شديد الخصوصية، تأكلها عيون الجالسين بالمقهى، وبعدها يأكلون قوائم المناضد والمقاعد، لها حضور طاغ يباغت من يتعرض له، ويجرده على الفور من كل أسلحة الدفاع عن النفس، في زاوية من المقهى وعلى طاولة متهالكة، كان يجلس رجل وحيد، شرع في الكتابة، متخليا عن تأمل الأشياء والموجودات من حوله، إلا من التي سحبته الى أغوار عينيها، وسارت على مهل في بهو روحه، أخرج عينيه من محجريهما لتتبعها، حتى ركبت الحافلة وغابت، وبقي وقصيدته وحيدين.