علبة المناديل

علبة المناديل

اللوحة: الفنان البلجيكي ماثيوس ايجناتيوس ڤان برى

مارا أحمد

شيخ بلحية بيضاء وشعر أبيض يغطي رأسه، يرتدي جلابية رثة متسخة، يقف بجوار محطة رمسيس يبيع المناديل الورقية. يقترب منه شاب يقف أمامه في ذهول، يرفع الشيخ ناظره ويقف خجلا، ينصرف الشاب ويهرع وراءه الشيخ متعكزا على عكازين.

يشير للأتوبيس، يقف له، يصعد، يطلب منه الكمثري الأجرة، يخرج من جيبه كارنيها خاصا بالمعاقين. يهبط من الأتوبيس حاملا لكيس المناديل، يفكر في إلقائه، ولكنه يشعر بأنها خسارة، يشير إلى أتوبيس آخر، يصعد لبيع ما تبقى معه من أكياس ويهبط ومعه المناديل كما هي وعدة جنيهات أثارت بداخله شهوة المكسب، فيصمم أن يبيع ما تبقى معه، يشير إلى أتوبيس آخر، يصعد لبيع المناديل ويهبط ومعه عدة جنيهات، وما زالت الأكياس كما هي، يصمم على بيع ما تبقى معه، وهكذا مر اليوم وهبط الليل ومازال يتنقل بعكازتيه بين المواصلات العامة وإشارات المرور لتزداد الجنيهات وتتبقى معه الأكياس، وتزداد بداخله شهوة المكسب السهل.

يعود إلى البيت، لابد أن تتزاحم بداخلك الأسئلة حين تشاهد بيته؛ أنيق، به كل الكماليات، منظم بلمسة أرستقراطية، وأبناء يمتشقون الوسامة والذكاء.خرج أحدهم الذي قابله في رمسيس يبيع المناديل متسولا الشراء مقايضا دعواته بعدد من العملات، مستعرضا إعاقته وشيبه، وسأله بحثا عن مبرر: “لماذا يا أبي؟” تلجلج وكأن المفردات خجلت أن تخرج من فمه غير مقتنعة: 

– لقد وصلت لتلك الحياة وهذا المستوى بعد كفاح وتعب وشقاء، وتمكنت من ادخار مبلغ في البنك ومعاش أستحقه، ولكني أخشى الغد؛ أرتعب من فكرة الفقر ومن نفاد ما ادخرته، وطلباتكم لا تنفك في تزايد، وأقسمت ألا أعود إلى الحاجة ثانية، وألا ألمس ما ادخرته، وقد كبرت وتقلصت إمكاناتي إلى دعوات حفظتها وأكررها، وعلبة مناديل تستمر معي شهورا أبيعها ولا مشتري لها؛ إنهم يشترون دعواتي. لا، بل يشترون تذللي لهم ومنحهم الشعور بالسيادة حين يسحب أحدهم يده من جيبه بها جنيه أو عدد من العملات المعدنية، أمنحه فيها الشعور بالاستعلاء والتسيد، وهناك من ارتكب من الآثام جبالا ويدفع من ماله لي في رجاء أن يشتري جسده من الجحيم؛ إنها صفقة رابحة لكل منا؛ أنا أعود بمصروف اليوم ولا أقترب من مدخراتي التي كونتها على مدار سنوات شبابي، وهم يعودون بإحساس الرضا من الله والتعالي والشعور بالتحرر من الخطايا؛ إنها تمثيلية نحاول أن نجيد فيها دورنا يوما بعد يوم.

– لا أجد ردا؛ أبي، ما تعيشه مرض لا علاج له ولا براءة منه؛ فلقد أدمنت دور العبد الذليل، دور المعاق، وتجد لذة في الإهانة والذل، لا يشغلك مظهرنا أمام الناس ولا حتى نظرة الناس إليك، صرت كما الطفيليات تحيا على بقايا الأحياء.

مد كفه صافعا ابنه على خده، لكن ابنه لم يبك، بل هو من بكى. 

انصرف الابن إلى غرفته وقد لملم ملابسه وخرج لا يلوي على أحد، إلا أنه أوقفه قائلا: هذه الملابس قد اشتريتها أنت من إعاقتي وتسولي. 

ألقى الشاب ما بيده من حقيبة قائلا، وأنا لن أغطي جسدي بملابس حرام، لولا أنه عيب أن أخرج عاريا، لخلعت لك ما تبق من ملابس، ولكن وعد أني سأعيدها لأي مار بالشارع …

رفع رأسه وتوجه إلى الباب وهناك صوت ينادي: ابني لا تتركني بلا ساتر عارية منك؛ أبوك ضيق عليَّ الحياة بخلا وتقطيرا وهو المكتنز ثروة، لقد ألبسني ثوب الحاجة وهو الميسور، مزّق الستر على جسدي فأهان إنسانيتي وهتك كرامتنا جميعا، فلقد التقط له أحد الجيران صورة ونشرها على الفيسبوك ففضحنا، لقد تحملته وبخله سنين طوالا فقط لأكمل مهمتي في تربيتكم، ولكن الآن أدركت أنني شاركته تلك الخطيئة؛ فلقد شجعته على الخنوع والذل، قاسمته ماله الحرام، لقد كان يستغل إعاقته في شراء سيارات خاصة بالمعاقين ليبيعها ويحوّل أمواله إلى البنك ويقتر علينا، كم من مرات يتسول لنا الأدوية من التأمين الصحي ليبيعها إلى الصيدليات ويكتنز عائدها في البنك الذي لا أعرف أين هو، ولا أعرف كم حسابه، أبوك غني في رصيده بالبنوك، فقير حتى الفاقة في الكرامة؛ لقد رباكم وأحمد الله من معاشه القليل الحلال وأحمد الله أن ما اكتنزه في الأرصدة هي أمواله الحرام، أبوك مريض ولا علاج له، لنترك له ثلاجته الخربة وحياته المنبوذة ونحرر أنفسنا من قبضته، دعه ومناديله التي لا تباع وعكازه الذي صار أغلى عنده من أولاده.

نظر إليها وهو مُطأطَأ الرأس وعيناه لا تنظران إلا لأقدامهم التي تغادر الشقة، حاول منعهم، ولكنه كان موعد نومه ليصحو ليلحق بالموظفين؛ فالغد موعد قبضهم، تحسس كيس المناديل وجده منتفخا لم يفقد الكثير من مخزونه، احتضنه وحمد الله ونام.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.