سحر علي النعيم
اللوحة: الفنان الهولندي فنسنت فان خوخ
يقف ذلك الفتى الصغير محدقًا بـ ارتياعٍ إلى الأطفال وهم يتنافسون على قطفِ حباتِ التوتِ من على الشجرة، شجرةٌ ضخمةٌ تتمايل مع رياح هذه المدينة مصدرةً صوت حفيفٍ موسيقيّ، منتصبةً بجانب بيت مجنون الحي. ذلك المجنون الذي فقد عقله بعد أن علم أنه لم يكن سوى طفلٍ متبنى من قبل من كان يظنهم عائلته.
سبب خوف ذلك الفتى لم يكن مجنون الحي، أو حتى أنه ربما كان يعاني من “الهايلوفوبيا”، بل كانت حبات التوت الصغيرة هي من تخيفه؛ لطالما اعتقد بأن حبات التوت تلك محشوةً بالجنون، وإذ ما حدث وتذوقها يومًا سيجن!. مضت الأيام وما زال ذلك الصغير يراقب شجرة التوت وحباتها التي استحالت لعسلٍ فوق الأسفلت.
في وقت الشروق والسماء بدأت تتزين بـ أشعتها البرتقالية رأى الصغير أحد سكان الحي وقد قام بجمع الكثير من ثمرة التوت، كانت يديه تفيضان توتًا، لم يستطع حينها مقاومة كل هذا الإغراء الشهي، وكـ انتقامٍ لضجيج عقله المزدحمِ بالأفكار الغريبة أخذ حبتين وتذوقهما، وهو مغمضًا عينيه مستشعرًا حلاوتهما، ومستنكرًا لما يحدث معه، داهم لحظته الفريدة سؤالًا كان قد قرأه في إحدى رفوف مكتبةِ والده لفان خوخ: “ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة!” فأكمل مرددًا بخفوت: فلنرى إذن ما الذي سيصنعه التوتُ بنا!.
إلا أنه بعد أن أفاق من تلك النشوة وأدرك أنه ابتلع حبات التوت المحشوة بالجنون، بدأ يبحث بهلعٍ عن طريقةٍ لإنقاذ نفسه. راودته فكرة ما.. ماذا لو سأل نفسه في كل ليلةٍ ثلاثة أسئلةٍ يعرف أجوبتها حق المعرفة، وإذ ما حدث ولم يُجِب عليها سيدرك حينئذ أنه قد جُن وفقد عقله. كان جواب أول سؤال عبارةً عن سرد سورة الحجرات، يليه تعريف الريبوسومات، ثم ذِكر عدد ذرات الكربون في حلقي الهكسان، وبالفعل استمر ذلك الصغير على الإجابة عن تلك الأسئلة خوفًا من الجنون إلى أن تقدم به العمر.
بعد مرور الكثير، وفي أحد الأيام، توقف أمام تلك الشجرة يحدق بها بهدوءٍ، ثم اقترب من جذعها هامسًا: سؤالٌ تلاشى من الذاكرة، أما الآن فلم يتبقَ لي سوى سؤالين وأتعفن جنونًا.