اللوحة: الفنان التركي عثمان حمدي بك
من أقوى الأدلة عندي على استحالة أن يكون هذا القرآن بشريا، طريقة عرضه على الناس، فلو عُرض كوحي نزل مرة واحدة في كتاب، لكان هناك سهولة كبيرة في البحث والتفتيش في كل ما فيه، فربما تم تأليفه من أشخاص متميزي العلم، عقدوا اجتماعات سرية عبر سنين، ثم صاغوا هذا القرآن، وعندما انتهوا من مراجعته وتنقيحه والاطمئنان لما فيه، أظهره الرسول ﷺ للناس، مدَّعيا أنه وحي السماء، وفي تلك الحالة سوف يكون يسيرا على العرب تحديه ونقده.
لكن لا خلاف على أنَّ هذا القرآن نزل على مدار ثلاثة وعشرين عاما متفاعلا مع الناس، فغالب القرآن ردا على أسئلة أو تصحيحا لمفاهيم، ونشاط متواصل لاستجابة السماء للإنسان عبر الرسول الكريم.
قام القرآن بعملية تكوين الجيل الأول الذي سوف يحمل شعلة الإسلام، ولم تسجل سيرة شخصية على وجه الأرض بالتفصيل، مثل سيرة الرسول ﷺ، وفي القرآن الكريم والسيرة النبوية مناخ عام واضح، بأن النبي كان وحده القائد في رحلة النبوة، لا توجد شخصية مساعدة أو مشاركة في القرارات، الوحي يأمر الرسول الذي يبلغ أصحابه.
ونخلص من تلك الفكرة أن «القرآن نزل على مراحل، وكان النبي هو القائد الأوحد في تلك السيرة»
والسؤال الذي يفرض نفسه:
«هل يستطيع أي قائد قافلة مجتمعية أن يكتب ويؤلف وهو يقود سنوات طويلة، دون أن يظهر في كتابته أخطاء فادحة وثغرات واسعة وتناقضات صارخة، فيتيسر نقد وكشف صلاح أو فساد انتاجه في زمن يسير؟»
«وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا»
«مع العلم أن هذا التحدي القرآني مازال مُشْهرا في وجه أي مُشَكِّك إلى اليوم، وحتى تقوم الساعة؟
***
نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ومكة هي أقرب للقرية في طبيعتها، وطبيعة القرى السكون التام، أي حادث تلوكه كل الألسنة في البيوت، ولا تنشط مكة إلا في موسم الحج، وهي أشهر معدودة في العام، والنشاط الرئيسي هو رحلة الشتاء والصيف للتجارة، تُغادر القافلة ثم تبقى مكة معظم العام في سكونها.
وهذا السكون يجعل النبي ﷺ معروفا بكافة شمائله لكل أهل مكة، ولو صدر عنه في تاريخه أي فعل يكذب ما أشتهر به من الصدق والأمانة، لما منعت مكة نفسها من معايرته به كي تنكر عليه النبوة.
في سيرته نجد ملحظا مدهشا، لم يبرز النبي قبل البعثة في أي من المجالات التي تجذب طموح الشباب وتُخرج مواهبهم «المصارعة، الفروسية، الشعر… الخ، حتى أنه لم يصدر منه أي نشاط فيه تمرد أو إنكار للحياة الدينية والفكرية في مكة، كانت حياته مثل الناس، ولكنه لم يسجد لصنم، وكان يشتهر فقط بالصدق والأمانة، وهما من مؤهلات النبوة التي ستأتي بعد ذلك.
أربعون عاما وهو بشخصية وادعة تحيا مثل الناس؛ ثم تنقلب تلك الشخصية تماما، يدَّعي النبوة ويدعو للتوحيد، ثم يتحول لشخصية متعددة المواهب لدرجة أسطورية، يكاد كل فعل وقول منه يصبح مثاليا ونموذجا للناس «السياسة، الحكمة، الحلم، الحرب، القيادة، الدعوة، الخطابة، الحسم، البلاغة…الخ» ويتلو قرآنا ينزل على مراحل حسب الحوادث، وينسبه لرب العالمين. بل ويتحمل في سبيل هذه المهمة كل أصناف الإيذاء، فالمرحلة المكية شديدة على النبي ﷺ وعلى القِلة المسلمة المستجيبة للإسلام، والصبر اثنا عشر عاما أمام مكة كلها، دلالة على إيمانه الراسخ بدعوته.
وفي مكة البلد الصغيرة، لو كان يأتيه من يدعمه بأي وسيلة من خارج البلدة، لعلم الناس ولتصدوا له.
والخلاصة «أن النبوة كانت طفرة حادة في شخصية وحياة النبي، والجهاد في سبيل الدعوة ثلاث وعشرون عاما بثبات لا يصدر من مدَّع، ولا تفسير له إلا الوحي.
***
سؤال: ما العنوان الذي يختصر السيرة النبوية ويعبر عنها ويكون أغلب أحداثها مَصبوغة به؟
الجواب: الصراع بين قريش والإسلام حتى فتح مكة «بعد تسعة عشر عاما من البعثة»
سؤال: منذ عام 1948 وحتى اليوم.. هل خلت نشرة إخبارية من ذكر إسرائيل؟
الجواب: لا.. وهذا بشري طبيعي.. فالصراع الذي يوضع في المقدمة يتبعه ذكر مستمر لأطراف الصراع وحوادثه وكل ما يتعلق به.
سؤال: كم ورد إسم (قريش) في القرآن الكريم؟
الجواب: قريش التي تفرغت بأقصى جهدها لإستئصال الإسلام عبر تاريخ الرسالة، ورد ذكرها في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة قصيرة جدا، سورة لم تذم أو تكفر أو توبخ قريش، ولكن تذكرهم بنعمة الله عليهم، وعندما دخلت قريش في الإسلام لم تجد في القرآن آيات تتلى تنال منها، فهل من الطبيعي بشريا هذا الانضباط؟ هل يملك بشر أن يظل في صراع التهديد بالإبادة، وليس فقط يمسك لسانه عن ذكر العدو بسوء، بل يذكره مرة واحدة في معرض تذكير بالنعمة!.
***
هل انتبه أحد إلى أن كتابنا أسمه القرآن؟، اسم مشتق من القراءة، وفيه معنى مباشر بأنه يُقرأ، أقرأ هو أول أمر من الله حين نزل القرآن، هل يُعقل أن يُأمر بقراءة كتاب بتحريك اللسان دون وعي بما يقرأ؟
لننظر إلى التيار الذي هبت منه الرياح الإحيائية الدينية هذا القرن، ماذا أنتج كتدين في جانب التعامل مع القرآن؟
جعل هَمَّ الناس منصبا في وسيلة وحيدة يقوم بها الجميع.
• أن يحفظ الناس القرآن الكريم.
• أن يحرص الناس على قراءة القرآن يوميا بقدر متزايد لا يقل عن جزء وكلما زاد كان أفضل.
وفي رمضان يكون المشهد الشائع، قوم جالسون في المسجد يرتفع منهم أصوات قراءة القرآن التي يتلوها كل منهم منفردا.
تسابق على «كَمْ حَصَّلَ من ختمات للقرآن في رمضان أو في أي شهر».
ثم ينتشر بين الناس أن قراءة القرآن يُتعبد بها سواء بفهم أو بدون فهم.
فيختار أغلب الناس عبادة قراءة القرآن التي تجمع الحسنات بعدد الأحرف.
وهكذا كل عبادة جوهرية تتحول لتصب في عادات ظاهرية حركية، بدلا من أن تصب في القلب والعقل والوجدان.
والمدهش تجاهلنا لحقيقة، أنَّ تدبر القرآن يتعمق بالقراءة وبالمعارف كلها، فالفيلسوف الذي يقرأ القرآن يتأثر وينفعل ويؤمن بمدى عمق معارفه ومهارته الفلسفية، وهكذا الحال مع «عالم النفس والإجتماع والفيزياء وبقية المجالات العلمية»، وهؤلاء هم العلماء.
فالقراءة هي الفريضة الغائبة وهي التي تصب في فهم القرآن وتزيد الإيمان.
لم يطلق الله تعالى اسم «القرآن» دون قصد، القرآن يُقرأ ويُتدبر ويُنصت له ويُستمع له.
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
والرحمة تكون فهما وهداية ورشدا وحكمة.
***
من اللفتات المدهشة التي تشرح صدري، تلك الآية؛ «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» نزلت على الرسول في حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة والأخيرة له، وللرد على من يفترى بأنَّ الإسلام من عند بشر، أنَّ المنطق أنَّ من يفتري دينا يندمج في هذا العمل باستمرار، ويصعب عليه امتلاك الوعي الذي يجعله يفكر في مستقبل الدين من بعده، ينجرف في الأحداث ثم يموت فجأة كما يموت الناس، يترك فراغ وثغرات ونقص لم يكتمل.
ولكن يصل الإتقان إلى أن تنزل في حجة الوداع وقبل وفاته بأشهر هذه الآية، ويمرض الرسول ﷺ سريعا ويغادر الدنيا!
هذا بالنسبة لي ختام حكيم ومقصود ومتقن. يصدر عن الوعي الأكبر. إنه الوحي.
