المارد الأسود

المارد الأسود

اللوحة: الفنان النرويجي إدوارد مونك

مارا أحمد

سحب كرسيا وجلس مع زملاء القهوة، يجمعهم السن الذي تجاوز الستين، والتف الجميع لمشاهدة مباراة ثأرية في الطاولة بينه وبين المنافس السيد محسن. 

بدأت المباراة وحاول أن ينغمس فيها وينفض عن رأسه كل المنغصات التي ظلت تطارده سنوات طويلة، وحمل أحنى كاهله، فصار يسير منحنيا؛ فلقد امتطى كتفيه ظلٌ سمينٌ أسودُ ثقيلٌ يدفع برأسه إلى أسفل، فلا يرى إلا قدميه، ما بين ثقل الكائن الرابض فوق كتفيه وتسريحه من المصنع وضياع مبلغ التعويض في مشروع مطعم فاشل خرج منه مديونا للضرائب ولأهل زوجه، وها هو اليوم بلا عمل؛ شيخ لا يجد من يؤجره لساعات كي يوفر احتياجات أسرته. ربما لو نزل ذلك الساكن رقبته، ربما يخفف من ضعفه وهوانه ويتمكن من العمل. وجاءت الثورة ليطول زمن الضياع، يهرب إلى المقهى والطاولة، والصحبة سوف يأخذونه بعيدا عن التفكير في بيته، وستبعده عن الشعور بالوهن من ذلك الملتصق بظهره وكتفيه. وكأن الدهر تآمر عليه فألقى بكل المصائب على رأسه كما رحيق زهرة جذب إليها نحل الحديقة جميعه. 

أبدا لم يتمرد، أبدا لم يرد إهانة بإهانة، كان متعففا عن الانزلاق في همجية الكثيرين، وكلّما قبل ضغطا أو مسؤولية أو إهانة، زاد وزن الممتطي كتفيه. 

ما هذا الصراع؟ وما هذه الثورات؟ ولم كل هذا التمرد والعنف؟

كيف سيوفر لزوجته مصروف الغد؛ وقد تم إغلاق المصنع الذي يعمل به بعد خسائر سببها المصنع وإدارته؟ كما قال متحدث باسم الحكومة، قال “نيكيتا خروتشوف”: البقرة التي يمتلكها صاحبها تدر حليبا أكثر من البقرة التي تمتلكها الدولة. فكان لا بد من بيعه للقطاع الخاص؛ ليعيد هيكلته وينقذه من تراكم الخسائر، ولكن تم بيع المصنع كأرض وآلات وتم تسريح كل العمال بعد منحهم مبلغا تصور الكثيرون منهم أنه سيمكنهم من بداية جديدة؛ فقد يتمكن من فتح مشروع خاص يديره بنفسه فيكون حرا لينضم لشريحة رجال الأعمال، لكن الغالبية قامت بتصفية كل تلك المشروعات نتيجة للخسائر التي تعرضوا لها؛ فهم لأول مرة يمارسون العمل الحر أو التجارة وليس لهم فكرة عن إدارة المشاريع ولا معنى دراسة الجدوى، وأن يحسب المكسب والخسارة، فهي علوم لم يسمعوا عنها، فلقد اعتاد المصري أن يعمل قليلا ويقبض قليلا، واعتاد الاسترخاء والاقتصاد، ولكن الاقتصاد في الحلم، وكان محمود من هؤلاء؛ فلقد خسر مكافأته في مشروع المطعم ليعيش بمعاش لا يكفي متطلبات أبنائه الذين كبروا وكبرت معهم احتياجاتهم من مصاريف الجامعة وزواج ابنته، ليزيد الطين بلة أن تقوم ثورة فتغلق أمامه فرصة العمل اليومي بأحد المقاهي ويخسر مصدر رزقه الذي كان يسند معاشه القليل.

 فجأة يقف الجميع ليشاهد تلك المظاهرة التي اقتربت من المقهى والتي تنادي بالحفاظ على الديموقراطية وعودة الرئيس المنتخب، بعد قليل يقرر صاحب المقهى بضرورة غلق المقهى حتى لا يتعرض لخسائر نتيجة مطاردة الشرطة وإطلاق النار.

يستأذن محمود في الانصراف محاولا السير بعيدا عن المظاهرات؛ فلا وقت لديه لأن يشغل عقله بسفاسف الأمور، مالي وحاكم الدولة؟ ومالي والديموقراطية؟ ومالي بالحرية؟ أريد من يجد لي حلا لبطالتي ومكانا أقبض منه لأوفر لبيتي مصروف الشهر؛ المظاهرات رفاهية لا يمتلكها الثور الذي تم ربطه بالساقية مغمى، ولكن حركته بطيئة وازدادت بطئا بعد خروجه على المعاش ومفارقة لياقته البدنية له وتضخم الكائن المفترش ظهره. 

يأخذ الشارع الجانبي، يسمع إطلاقا للرصاص ومطاردة للمشاركين في المظاهرة، يمد ساقيه ليبعد بنفسه عن هذا الشجار، ليسمع صوتا من بعيد:

– هاتولي الراجل اللي هناك ده، امسكوه.

حاول أن يرفع هامته؛ ليرى من يتكلم ومن يطلب أن يمسكوا به.

يتم إلقاء القبض عليه، ويتعرض للضرب، يحاول أن يفهم الشرطي أنه كان جالسا على المقهى ولا علاقة له بالمظاهرات، ولكن لا حياة لمن تنادي؛ “فالمواطن متهم دائما حتى تثبت براءته في ظل قانون الطوارئ”. تم دفعه ليركب سيارة الشرطة مع عدد من المتظاهرين وترحيله إلى أحد المراكز وهناك تهمة أضيفت إلى ملفه الذي افتُتح بلقب عاطل: إثارة الشغب والانتماء لجماعة محظورة وحمل سلاح غير مرخص. 

حين وضع يده في جيبه وجد نردا كان يلعب به الطاولة على مقهى، يشاهد المارة والمشاركين في مسيرات تندد بالاحتكار، يصعد “البوكس” ويهبط من فوق كتفيه المارد الأسود، ليتركه لمصيره وحده. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.