أفيونة

أفيونة

اللوحة: الفنان المكسيكي أنخيل زاراغا

سبعة من الصبية، نلتف حول “عم درويش”، الشيخ الثمانيني، المقطوع من شجرة، المتقاعد من فترة بعيدة، نجلس حوله، نسمع منه، ننصت إلى حكاياته التي تأخذنا لبعيد جدًا، تحلق بنا في سماوات من الخيال والمتعة، بنهاية اللقاء نرجع إلى بيوتنا، بعدما نصنع من قصصه، طائرات ورقية، نلهو بها، تظل ترفرف بين أيدينا فترة في الهواء حتى نغفو أو نلتقيه مرة أخرى.

ذات ليلة، جادلته في الفقر، العوز، الثروة، قيمة الوجود، قلت بلهجة متفلسف ناشئ: يا سيدنا، الفلوس مش كل حاجة.

غير أنه كان أسبق منّي في الحُجة، أسرع في الرد ووأد القضية، حين قال: هذا كلام الغلابة. أفيونة يمضغونها على مهل، يستقر اللعاب ممزوجًا بتأثيرها في أعماقهم. 

ثم التفت بجزعه ناحيتي، قال بلهجة سؤال: هل سمعت من قبل عن غنّي قال مثل حديثك هذا؟

هززت رأسي بالنفي، قلت: على حد علمي لا، كذلك أمّن باقي الرفاق، ثم عُدنا معه إلى أفيونة جديدة غرقنا في دهاليزها معه.

  • ما بعد الأول

– وهل تناولت فنجانك الثاني بعد؟

أجبتها: عِشق القهوة هبة من الله، على العموم سوف يصل الثاني إلى يدي خلال دقيقة من الآن، سألتها: كيف الحال؟

تمتمت بكلمات تقليدية: كل شيء تمام، حمدت المولى عزّ وجلّ، ثم انزوت صامتة، تنظر إليّ، بينما قلبي مشغول بحالها، عقلي مشدود إلى قهوة لم تأتِ بعد.

– لمّ هذا الصمت؟

قلت: العاقل من يزن كلماته، ويعرف متى يتكلم، كما أن بعض الصمت ضرورة للوصول لإجابات. حينها أترك حدسي ينطلق على سجيته، سيخبرني بحالكِ، يضعني على أول الطريق لمعرفتك.

قالت: أردّ لك بضاعتك من أن المعرفة كثيرها من الوعي، فأنت تجعلني على صورة تراها كما تظن.. ضحكت، أكملت: تذكر أن بعض الظن.. ثم أمسكت عن الكلام.

قلت: بعضه وليس جميعه، أميل لمن يقول أن الحياة لم توجد إلّا بالظن، أن اليقين زائف ما لم يسبقه ظن مرجو.

قالت: أنت وشأنك

قلت وأنا أرحّب بضيفة غالية: العود أحمد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.