محمد ربيع
اللوحة: الفنانة السعودية نجلا السليم
لا أعرف صديقًا إلا وتعرض إلى تنمر أو عنف أو غضب أدى به إلى الخوف. كثيرًا ما حكى أحد الأصدقاء عن تجربته تلك، يحكيها مبتسمًا أو ضاحكًا، لم يذكر أحدهم كلمة «خوف» أثناء حكيه، بل يكتفى بذكر ما حدث، وأكتفي بالصمت. الاعتراف بالشعور بالخوف هو اعتراف غير مباشر بكون الخائف «امرأة»، على الفور سيخرجه السامع من خانة الرجال إلى خانة «السيدات»، يتبع ذلك تغيّر في طريقة التعامل مع الخائف، يتدرج التغيّر ببطء وكأنه اختبار طويل لمدى «نسونة» الخائف؛ تقل المقابلات كثيرًا، تستخدم كلمات بعينها مثل «خوف»، «رجالة»، «نسوان»، «خولات». ثم يتضح أكثر عند استخدام جمل أكثر تعقيدًا مثل: «إحنا بنقعد مع رجالة بس»، أو «أخبار صاحبتَك إيه؟»، أو «واحد صاحبنا نَفَسه في الطبخ يجنن». لا ينتهي الأمر عند مجرد الكلام، بل يتعداه إلى الاعتداء البدني والتحرش بغرض الإهانة وتثبيت فكرة «النسونة» في عقل الخائف وعقول المحيطين به.
أدرك أحد الأصدقاء أنه يخاف أكل الكبدة لتجربة قاسية مر بها عندما كان طفلًا، منعه الخوف من الكلام حينها وظل مقيمًا فيه إلى أن تغلب عليه في سن كبير، لكنه لم يخبرني بذلك إلا في عامه الرابع والستين. صديق آخر يخاف أكل السمك حتى اليوم بسبب مروره بتجربة مشابهة، لم يخبرني هو بذلك، لكن شخصًا آخر أخبرني في حضور الصديق، وظهر الخجل والتوتر بوضوح على وجهه. صديق ثالث نباتي، أخبرني أنه يخاف اللحم منذ طفولته، ثم تابع خجلًا إن أقاربه قالوا له إنه رأى حيوانًا يُذبح عندما كان طفلًا، وأن هذا سبب كرهه للحم، تابع بنبرة حادة قليلًا إنه لا يظن أن ذلك صحيح فهو لا يذكر أي شيء عن تلك الحادثة. ما أعرفه أن الواحد قد يتغلب على خوفه بمرور الوقت، أو بعد تعرّضه لتجربة عنيفة أخرى، أو حتى إذا تسامح مع ما يخاف، وربما إذا ما أعلن أسباب خوفه، قد يتسامح مع نظرة الآخرين له إن أعلن خوفه. لكن أثر الخوف يبقى داخله إلى الأبد.
لم يتوقف الشعور بالخوف في مرحلة المراهقة، لم يتوقف تعرّضي لغضب أو تنمر أو تخويف الآخرين لي، تعرّضت ثلاث مرات بما سميناه «التثبيت»؛ أمشي في شارع هادئ ليطلب مني أحدهم التوقف ويسألني عن شيء ما، ثم يخرج من جيبه مطواة ويفتحها. قد يضع نصلها على رقبتي وقد يرفعها في وجهي، ثم يطلب مالًا مني، قد يعتذر، أو قد يبرر تصرفه بأنه خرج للتو من السجن وهو لا يملك مالًا الآن، وهو تبرير كان مشهورًا في ذلك الوقت، يلعب على شعوري الشفقة والخوف في آن واحد. في إحدى المرات الثلاث كنت واقفًا عند محطة الأتوبيس وحدي، اقترب مني الرجل ومن دون كلمة أخرج «كتر» صغير من جيبه ووضعه على رقبتي، لم يقل شيئًا ولم يطلب شيئًا، ثبت الكتر على رقبتي لدقيقة تقريبًا، كان ينظر في عيني ويبتسم، أخيرًا أنزل الكتر ومضى بعيدًا، لم أفهم قط لمَ فعل ذلك.
***
أذكر أني كنت مع صديقين، كنا قاعدين على الأرض في مساحة خضراء صغيرة، تلك التي توجد عادة في منتصف الأرصفة العريضة في شوارع مصر الجديدة، ذهب أحدهما إلى الكشك القريب ليشتري شيئًا نأكله، بعد أقل من دقيقة عاد بوجه مذهول وكفه تنزف بشدة، حاولنا إيقاف الدم النازف، تلوثت يدي بدمه لكني لم أتمكن من إيقاف النزيف، وبسرعة استطعنا إيقاف تاكسي والذهاب إلى مستشفى هليوبوليس لإسعافه. في التاكسي أخبرنا أن رجلًا مر إلى جانبه وحك شيئًا في كفه، ليلاحظ أن الرجل قد ضرب ظاهر كفه بموس أو كتر، قال إن الألم أتى بعد لحظة من الضربة، نظرت إلى كفه بينما يحاول إيقاف النزيف، لم أرَ في ظلام التاكسي سوى سواد الدم. عندما دخلنا إلى المستشفى تعرض ثلاثتنا للتعنيف والسخرية من الممرضين هناك. اتهمونا بأننا بلطجية وخولات، قالوا إننا كنا في مشاجرة مع صيع مثلنا، وأنهم ضربونا وقطعوا كف صديقي لأننا خولات، مع ذلك، وضع أحد الممرضين قطعة كبيرة من القطن على كف صديقي، عندما رفعها كانت قد امتصت الدم. رأيتُ الجرح بعرض ظاهر كفه، لم يكن عميقًا، بدا وكأنه خط أحمر، ثم بعد ثانية واحدة عاد الدم لينزف بغزارة. حينها قال الممرض إن هذا الجرح نتيجة ضربة موس بالتأكيد، وأن علينا أن نذهب للقسم لتحرير محضر ثم العودة إلى المستشفى لتلقي العلاج. لا أذكر ما حدث بعد ذلك، لكني أعلم أن لقاءنا ذاك كان اللقاء الأخير.
أذكر أني سمعت عن زميل وضع الموسى على رقبة آخر وسحبه سحبة صغيرة، فتح شريانًا رئيسيًا في رقبته ونزف كثيرًا، على الرغم من أن الكثيرين كانوا يحيطون بهما لكن أحدًا لم يتمكن من فعل أي شيء ومات الزميل بعد دقائق، قيل إن الأمر كله لم يتعدَ «الهزار»، وأن صاحب الموسى نفسه لم يتوقع أن يقتل زميله، ولم يتوقع أحد من المحيطين أن يموت بهذه السرعة. حكايات كهذه -وهي أكثر من أن أحصيها- تترك خوفًا أعمق بكثير من حكايات التثبيت والتعرض للسلاح الأبيض بغرض السرقة.
استمر الشعور بالخوف حتى بعد عبور مرحلة المراهقة، لم يعد أحد يخيفني بالطرق القديمة المعتادة، صارت هناك طرق أخرى مباشرة وغير مباشرة، تعرضت لمحاولات تخويف عديدة من زملاء العمل ومن الأصدقاء، أما أغلب المحاولات كانت من غرباء لا أعرفهم. بدا أن الجميع لا يدرك فداحة ما يفعل، بدا أن الكل يستمتع بما يفعل، أو ربما يفعله حتى يصل إلى غرض أو مكسب لا أدركه. أذكر أني كنت في المترو، العربة نصف مزدحمة، عندما سمعت صوتًا هادئًا رتيبًا خلفي، عندما التفت وجدت أمين شرطة سمينا يقف في مواجهة باب المترو المغلق، رأيت وجهه نصف منعكس على زجاج الباب، كان يحدق في عينيه عبر الزجاج نصف العاكس بسبب فرق الإضاءة داخل وخارج المترو، كان يكرر أسماء ضباط ويلحق كل اسم بشتيمة ما، «العقيد محمد الخول»، ثم: «المقدم فتحي العرص»، ثم: «الملازم مدحت الخول». كرر الجمل برتابة وبطء وهدوء، لم ينفعل، لم يصرخ، لم يهتز، بل تابع كلامه بصوت مسموع واثق، عندما التفتت إلى باقي الركاب لاحظتُ أن الجميع صامت على غير العادة، لم ينظر أحد ناحيتي أو ناحية أمين الشرطة، كنت أقرب من في العربة إليه، توقعت أن ينفجر غضبه في أي لحظة، وفكرت في التحرك بعيدًا عنه لكن الخوف منعني، وبدلًا من النزول عند المحطة المقبلة للهروب من الموقف أو النزول عند محطتي، بقيت واقفًا إلى جانبه أسمع كلامه بوضوح، أرتاح قليلًا عندما يتعب ويتوقف عن الكلام، ثم يسود الخوف مرة أخرى عندما يعود، ظل يتكلم حتى نزل أخيرًا في إحدى المحطات، لم أتحرر إلا بعدما نزل وأغلق المترو أبوابه، نزلت في المحطة التالية. في ذلك اليوم شعرت بالاطمئنان يغمرني بينما أمشى على رصيف المحطة، كنت قد ابتعدت كثيرًا عن محطتي، وكان عليَّ أن أصعد سلمًا لأنتقل إلى الجهة المقابلة فأستقل المترو في الاتجاه المعاكس، أثناء صعودي السلم تصاعد شعور كثيف بالتعاسة، لم أشعر بأي شفقة تجاه أمين الشرطة، ذهب الاطمئنان الذي استمر لثواني، وظلت التعاسة لأيام.
هل كانت هناك حوادث سعيدة؟ بالطبع، لكني لا أذكر منها شيئًا، هناك فقط صور ثابتة لأفراد العائلة، يبتسم كل منهم فيها بغير سياق محدد.