الصاحبة

الصاحبة

اللوحة: الفنان السعودي محمد الرباط

عقب المناسبات الاجتماعية التي تشمل النساء والرجال، تدور أحاديث تُظهر انطباعات وتعليقات على «الأحداث والأشخاص والحوارات» التي دارت، في العادة لا أنتبه لما في الآخرين من الرجال والنساء سواء «الزِي – اللون – السمنة – الشحوب – المكياج»، ولا أنتبه إلى ملاحظات أكثر دقة من ذلك.

ولكن عندما أسمع تعليقات النساء بعد الحدث، أجدهن بالبداهة والفطرة قمن بمسح كامل لكل شيء طال أعينهن، مثل الكاميرا الحية التي تلتقط في ثانية كل شيء وهي تدور في المكان.

هذا عن العين فماذا عن السمع؟، تكتشف أنَّ الكلمات حُفظت ظاهرا وباطنا وتم تحديد ما خلفها وما يتوقع أنه مخبأ في النيات وخلف التلميحات، وليس شرطا صواب ما فهمته المرأة، ولكن لا بد من وجود فهم أو ظن، ولا شك أنَّ هناك بعض الرجال لديهم نفس الموهبة.

أغلب النساء بالفطرة، شديدي الذكاء واليقظة والتماسك، بينما لا يلاحظ الرجال شيئا في الغالب إلا عن عمد وقصد، فمن أراد من الرجال ملاحظة أمرأة، يتقصدها عمدا ووحدها، بينما يغفل عن بقية الحضور والأشياء.

وتعليقا على هذه الملاحظة قال لي صديقي وهو يضحك: معنى كلامك أن الرجال هم أولى بالحجاب وليس المرأة وحدها؟

فأجبت ضاحكا: ألا توافقني الرأي يا صديقي، أن المرأة ضحكت علينا ونالت الحرية الكاملة في وضعنا تحت أجهزتها البصرية والسمعية الدقيقة، بينما هي تتخندق وراء حجاب.

***

عندما أتأمل القرآن الكريم في الآية الكريمة؛ «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ» – «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ»، أجد الوحي الإلهي ساوى في الأمر بين الرجل والمرأة، فالمرأة والرجل بالفطرة ينجذب أحدهما للآخر، ويرى كل منهما في الآخر ما يشده إليه ويعجبه، فكل الرجل يعجب المرأة، وكل المرأة تعجب الرجل، وهكذا حكمة الله في إعطاء طعم للحياة لتستمر.

في الصور التي تنتشر إعلاميا لتحذر الناس من إدمان المواقع الإباحية، نرى «ولد أو رجل» ينظر بشهوة للشاشة، ولم يخطر على بال أحد صورة أمرأة أو فتاة، لأن الفكر الذكوري يتعامل وكأنَّ الرجل هو الصياد والمرأة هي الفريسة، والرجل هو الذي يأكل المرأة، والمرأة طعام الرجل، ولا يخطر بالبال أنَّ كلاهما يأكل الآخر في الحلال، وتظل مائدتهما عامرة بهما معا.

***

شهد أحد الملوك الحيوان وهو يُذبح ويُسلخ ويُشَفَّى من الأمعاء والفضلات، فعافت نفسه تناول اللحوم زمنا طويلا، قال له وزيره: يا مولاي، الطعام على المائدة والمرأة على الفراش.

هذه القصة مثال للنظرة الذكورية للمرأة التي سادت حتى اليوم.

***

الكلمات والمعاني التي ذكرها القرآن الكريم هي أم المعاني، الأب حين يؤكد على كلمات أو معاني للإبن، يشدد عليها ويجعلها أولوية بالتكرار أو التفصيل.

المرأة نصف الناس، الإسلام والقرآن يُخاطبان المرأة والرجل، وهما يخوضان معا نفس الاختبار في الدنيا، ويتحملان معا مسؤولية الخِلافة في الأرض، نحن نفهم أنَّ بيان الله تعالى؛ «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، يُقْصد به الذكور فقط، وهذا خطأ، وفي القرآن لا يوجد أي تلميح إلى تفاوت الجَزاء والمسؤولية بين الذكر والأنثى، الإثنان خلفاء في الأرض ومتساوون في المسؤولية وبالتالي الثواب والعقاب، فلماذا؛

–  في زمن النبوة كان المجتمع رجال ونساء، ثم توفي الرسول ﷺ فأصبح المجتمع، إلى اليوم، «رجال» فقط. 

– حينما يُذكر الإسلام في الإعلام العالمي يقفز إلى الخيال إهانة وقهر المرأة.

– المثال والإبداع والإنجاز في تاريخ العرب كله رجال.

– يتفشى اليوم فشل العلاقات بين الذكر والأنثى مجتمعيا.

هذه الأسئلة تقودني للسؤال الأخطر والمُغَامر؛ تراثيا يسهل الخلوص إلى أنَّ المرأة ناقصة عقل ودين، وأنَّ أكثر أهل النار من النساء اللاتي تكفرن العشير، وصلاتها في غرفتها أفضل من الصلاة في المسجد، وخير لها في كل حياتها، أن تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها ثم إلى القبر، ويوشك أن تُأمر بالسجود لزوجها، وقوامة الرجل عليها أبدية لمجرد أنه رجل، ولا دخل لما يملكه هذا الرجل من أسباب القوامة، مع عدم افتراض احتمال أن تكون هناك امرأة أحكم وأقوم وأرشد من رجل. ولو كانت هذه الأحكام حقيقة فلماذا أهملها القرآن الكريم وتركها للتراث؟

لا بد من العودة للمسطرة القرآنية فيكون القرآن الكريم هو الذي يمرر القناعات الدينية، لا بد من العمل على تأصيل أنَّ الخلافة في الأرض للرجل والمرأة.

***

روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال «خرج عمر بن الخطاب» من الليل فسمع امرأة تقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه                  

وأرقني أن لا خليل ألاعبـه

فوالله لولا الله أني أراقبـــه

لحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: «ستة أشهر، أو أربعة أشهر»، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك.

لم ينادي عمر بن الخطاب في الناس: «أيكم سمع حديثا يذكر؛ كم تصبر المرأة عن زوجها»، ولكنه سأل امرأة، ومن الإجابة الخبيرة أصدر قرارا لصالح المجتمع وأفراده ورفع المعاناة عن الزوجين، فالدين يضبط شهوات وحاجات الإنسان ولا يقهرها، وهذه هي «العقلية العمرية» التي تبحث عن الحل من الواقع المتجدد.

***

من الملاحظ أن النبي ﷺ سمَّاهم «أصْحابه» ولم يسمِّهم «أتباعه»، رغم أن القرآن الكريم قال: «فاتبعوه» –  «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ»، فالصفة التي تداولت في السيرة هي «الصُحبة».

كلنا في رحلة الدنيا أصْحاب، رُفقاء طريق، رحلة مستمرة بلا توقف ما دامت الدنيا، الذي يتوقف عن مواصلة الرحلة يُتوفى أو يَتَخلى، ولهذا نحن نحتاج في حياتنا إلى نفسية رفقاء الرحلة، الذين يسيطرون على آلامهم حين يرحل من يأتي عليه الدور، ومن الأفكار التي تسربت إلينا من الأديان الأخرى، فكرة «الزواج الأبدي»، لم تتسرب إلينا تشريعيا؛ ولكن تسربت إلينا وتشربناها نفسيا وعُرفيا واجتماعيا.

في القرآن الكريم: «وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ»، والصاحبة هي (الزوجة)، لفظ قرآني دقيق، نحن نفسيا واجتماعيا نرفض احتمال الصحبة بعض الرحلة، بمعنى أننا نرفض أي زواج ينطوي على تفاوت قد يؤدي لمخاطر الانفصال بالإرادة أو بالقضاء والقدر، فندقق في السن والمستوى الاجتماعي والدراسي ونحاول أن نحصل على أكبر قدر من التقارب الذي نظن أنه يُبْعد خاطر وخَطَر الافتراق أبدا.

هناك كثير من أخبار الصحابيات والتي تشير إلى أن المجتمع النبوي كان شديد الرقي والتحضر مقارنة بمجتمعنا اليوم؛ «أسماء بنت عميس»، أسلمت قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر بها زوجها «جعفر بن أبي طالب» إلى الحبشة، ولها منه أبناء، استشهد يوم مؤتة، فتزوجها «أبو بكر الصديق»، ولها منه أبناء، ثم توفي الصديق، وتزوجها «علي بن أبي طالب».

هذه القصة النموذج حدثت في سنين قصيرة، لم تكن الذرية مشكلة ولم يتطوع متطفل بأنْ يشير عليها بأنْ تُكَرِّس حياتها لتربية الأولاد وتكون وفية لذكرى زوجها فتترهبن، ولكن كان الانتقال من زواج إلى زواج بيسر، هذا ليس فقط سلوكا إسلاميا ولكنه كان استمرار للعُرف الجاهلي قبل الإسلام، وهذا يعني أننا قمنا بتعقيد مجتمعنا واخترعنا له فخاخ وبنينا أسوار تتفوق على المجتمع الجاهلي، فأصبحت الأرملة والمطلقة أزمة، وأصبح أولادها أزمة، فتأزمت الحياة والمجتمع، ولهذا لا بد من استحضار نفسية الرحلة، وفي الرحلة لا بد من صحبة، وحين ينحرف أحد رفقاء الرحلة أو يتخلى، يحل مكانه صاحب ورفيق، هذه هي السهولة التي يجب أن نتحلى بها.

***

 على العلماء أن لا يكتفوا بوظيفة عسكري المرور، الذي يطلق الأحكام دون مراعاة للواقع، وعليهم أن يطرحوا بدائل لا تصادم الشرع، ولا بد من أن يشترك علماء (الدين والاجتماع والفلسفة وعلم النفس والتاريخ وبقية التخصصات) في صياغة الفتوى، فالحياة التي هي الفرصة الوحيدة على الأرض، ومن المضحك أنَّ القطط والكلاب هم أسعد ما في البلاد.

«رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل»، الدين ينزل على الإنسان الحر والعاقل والذي حياته طبيعية، وإنسان اليوم يكاد يقع تحت حكم من رفع عنه القلم، لم يعد حرا في فكره وواقعه، أين رخص الإسلام التي تنقذ شبابنا؟ وتحفظ المجتمع والدين والإنسان والحياة الكريمة.

لنسترجع القاعدة الفقهية التي تم عكسها للأسف في القرون الأخيرة، كان «الأصل في الأشياء الإباحة» فلماذا أصبح «الأصل في الأشياء الحرمة؟».

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.