اللوحة: الفنان النمساوي كلومان موسر
في مدينة أمريكية، تذهب السيدة التي تجاوزت الستين إلى منزل زوجها الذي فاجأها بإعلانه نية الطلاق، هجرها فجأة بدون مقدمات لأنه أحب أرملة، يعتبر الأمريكي الحبَّ مثل الإنفلونزا الحميدة، ليست فقط مرض، ولكن قضاء وقَدَر وحق بشري ومُبرر للغَدْر.
اقتحمت الزوجة المصدومة منزل المرأة التي سلبتها زوجها، سألتها؛ «لماذا؟»
قالت في برود وهدوء: «لأننا كنا ثلاثة أشقياء، والآن بَقِيَت شقية واحدة»
رد بليغ، وخلاصته كما يقول المثل: «ياروح ما بعدك روح».
حين صارحها زوجها قال: «هي أمرأه أستطيع أن أعبر لها عن مشاعري التي لا أستطيع أن أقولها لك، أذاقتني الحب فأدركت أنني منذ ثلاثين عام صعدت إلى القطار الخطأ، أنت القطار الخطأ الذي صعدته حين تزوجتك».
من هذا الأحمق الذي يتزوج ثلاثين عام، ثم يكتشف متأخرا وفجأة أنَّه ركب القطار الخطأ، أو يكتشف الخطأ مبكرا ثم يظل ثلاثين عاما مترددا حتى يقرر الهبوط، وقبل أن يغادر، يوجه لزوجته هذه العبارات القاسية.
***
الزوج مدرس تاريخ، التقط من التاريخ قصصا ثم أسقطها على حالته فجعلها مبرر غدره بزوجته، حدثت القصص أثناء «حملة نابليون على روسيا»، حين انسحب الجيش في الشتاء بعد هزيمته، وهما حادثتان؛
الأولى: «أثناء الانسحاب، حين يقترب الجندي الفرنسي من الموت بالتجمد أو يسقط منهارا على الثلج، يهرع زملاؤه الفرنسيون متسابقين إليه، ليس لإسعافه ولكن للإستيلاء على ملابسه وهو مازال حيا، فيموت متجمدا وعريانا».
الثانية: «كان الجرحى يُحمَلون على عربات، وهذا يؤخر إنسحاب الجند الذين يواجهون خطر اصطيادهم من الروس في هجمات مفاجئة، فكان السائق يتعمد أنْ يختار الأماكن التي بها مطبَّات حادة، فيسرع بالمرور فوقها، فيتسبب ارتجاج العربة في سقوط الجرحى، ولا يلتفت أحد وراءه، وبهذا تصبح العربة أكثر خِفِّة مع كل مطب».
في العالم الغربي، لا يُزَوِّرون التاريخ ولا يزخرفونه أو يخفوه مثلنا، وهذا سر نجاحهم، يعترفون بحسناتهم وخطاياهم في كتبهم ويُدَرِّسونها للطلاب في المدارس.
***
وكلما دارت هذه الأحداث في خاطره قوي قلبه وعزمه على التخلي عن زوجته، كلاهما تعيس بسبب برود العلاقة، فلينزع نفسه عنها بكلمة قاسية ويتحرر، يسقطها من عربة حياته بكلمة لا تختلف كثيرا عن هذا المطب الذي تعمد السائق الفرنسي الاصطدام به، ويرحل ويرتاح بعلاقة يظنها الفرصة الأخيرة للسعادة.
***
أدهشني موقف ولدهما الوحيد، رغم تعاطفه مع أمه إلا أنَّه يعذر أباه، لأنه أحب، فالحب عند الغرب مشاعر وحرية شخصية مقدسة ومفهومة، ورث الولد طباع أبيه الهادئة والمحيرة، التي تجعل من الصعب عليه الاحتفاظ بفتاة، يعاني صعوبة في العلاقات، ويحيا وحيدا لأنه كلما ارتبط بفتاة تعجز عن فهمه أو النفاذ إلى نفسيته، و«من شابه أباه فما ظلم».
***
يعطي الفيلم نموذجا جديدا لاهتمام السينما الامريكية بالإنسان دون التقيد بسن، ويُظهر أنَّ المجتمع الأمريكي بأفراده مساكين بامتياز، تقترن الحرية الشخصية المتاحة بمجال مساوٍ من الأنانية، ومساحة الأنا خَلَقت فجوة بين الابن وأمه وأبيه وأخيه، الإبن يحيا وحده ويُحب أن يَحيا وحده، وقد كان على وشك أن يطلب من أمه أنْ تسكن معه تعاطفا معها، وخضوعا للظرف القاهر، وليس رغبة في أن يعيش مع أمه، فراحته في العيش وحده ولا يريد مقتحم لحياته.
يمتلك الغرب الجانب العكسي والوجه الآخر لمشاكلنا، فنحن نعاني من قرب المسافات بيننا واتساع مساحة التداخل بين دوائرنا، بينما هم يعانون من تباعد دوائرهم حتى يكاد ينعزل الفرد تماما.
في حوار درامي مدهش، صارحت الأم ولدها بأنَّ فكرة الانتحار تراودها كثيرا هذه الأيام، قال لها: «حين تنوين الانتحار لا بد أن تخبريني قبلها»، فنظرت إليه متعجبة، فأردف قائلا: «طالما وجدتي الحياة صعبة عليك، وقررت الاستسلام والرحيل فلن أمنعك، هذا حقك، ولكن على الأقل أمنحيني الفرصة لوداعك، فهذا حقي، لأنَّ ما ستفعلينه سوف يعطيني درسا أسترشد به في حياتي، فعندما تستسلمي وتنتحري، فسأعرف أنَّ الطريق صعب للغاية وسيستغرق وقتًا طويلاً، وسأعرف أنه في النهاية، ستنتصر التعاسة، فانتحر مبكرا وألحق بك، لكن إذا واصلت وتحملت الأمر، على الرغم من فظاعته، فسأعلم أنه مهما ساء الأمر، سأتمكن من الصمود لأنك فعلت ذلك من قبلي».
حوار غريب ومدهش، حوار من أمامه الحياة والحرية بلا حدود مثل البحر، ولا يتقن السباحة ويعيش داخل مخاوفه وأوهامه وعجزه، رغم إنهم في أرض الأحلام، بلاد العم سام، البلاد التي أصبحت حلم هجرة كل عربي، وما أكثر قوارب الموت التي حملت شبابنا على ظهرها لمقامرة الهجرة إليهم، وقليل منهم من ينجو من أن يصبح طعاما للأسماك، معضلات الحياة عند هؤلاء الأمريكان ليست مثل معضلات عِزبة أهل العرب، أهل عزبة الصفيح.
***
يقول الدكتور «مصطفى محمود»: إنَّ اعصابنا مصنوعة بطريقة خاصة، تحس بلحظات الانتقال ولا تحس بالاستمرار، حينما تركب الأسانسير تشعر به في لحظة تحركه وفي لحظة توقفه، أما في الدقيقة الطويلة بين اللحظتين فانت لا تشعر به لأن حركته تكون مستمرة، وحينما تعيش متمتعاً بصحة مستمرة لا تحس بهذه الصحة، ولا تتذكرها إلا حينما تمرض، فإذا دام شيء فى يدنا فإننا نفقد الإحساس به.
وبهذا الوصف البليغ تبرز ضرورة تجديد مشاعر الإنسان وأحاسيسه بنفسه، فلا ينسى نفسه في خضم تعلقها بالآخرين، لا يجعلها منسية في دولاب الآخرين، دائما يحركها ويحاورها ويتعامل معها كرفيق يستحيل أن يتخلى عنه.
***
وفي كتابه «الروح والجسد» مقال بعنوان «حب الامتلاك» وردت هذه الفقرة: «عن نفسي، لا أتمنى أن تحبني امرأة هذا الحب. لم؟، لأن المرأة التي تحب هذا الحب، لا تسامح، إنما ترى نفسها قد أعطتني روحها، فلا أقل من أن تأخذ روحي، والذين يحبون هذا الحب هم بين، قاتل ومقتول، وأنا لا أحب أن أكون أحدهما.
***
حكى لي صديقي، أنه شعر أن زوجة إبنه تغيرت فجاة في معاملتها معه، واحتار في معرفة السبب، ثم أخيرا أكتشف أن ابنه وزوجته قد جعلا وسيلة التواصل الإلكترونية لهما مشتركة، أو أعطى كل منها كلمة السر للآخر، فكانت النتيجة أنَّ أي حوار بين أهل الزوج والزوجة يقرأه الزوجان، قال صديقي ساخرا: «لقد سلمني ابني تسليم مفتاح إلى زوجته، ولا شك أنني تكلمت كلمة لم تعجبها، ومنذ ذلك الوقت وضعت على لساني جهاز رقابة حين أتحدث مع ابني سواء بوسائل التواصل الإلكترونية أو الموبايل أو حتى وجها لوجه، فما أدراني هل وضع كل منهما جهاز تسجيل في قميص الآخر أم لا، فهؤلاء المجانين يظنون أنَّ زوال الخصوصية زيادة محبة».
هذه القصة تجسد حماقة الإنسان حين تجرفه مشاعره اللحظية ويبحث عن تعقيد الحب في إجراءات سطحية ساذجة، تزيد من ألمه لو حدث افتراق.
***
العلاقات التي تتباعد بعد اقتراب ليست الزوجية فقط، كل العلاقات تتعرض لهذا التردد بين الاقتراب والابتعاد، الصداقات والقرابات والعلاقات المشتركة كلها، ويتقبل الجميع هذا الانفصال، ولكن لا يكون الأمر سهلا في العلاقات الوثيقة وخاصة الزوجية والأسرية، فتخلي الأزواج أو الأبناء شديد الأثر، لأن هذه الأطراف تتساند على بعضها ماديا ومعنويا ونفسيا، ولا يخطر ببال أحدهم افتراق، ولهذا يكون التخلي أضخم أثرا وكأنه الموت.
لا بد أن يحاول الإنسان التسلح بنفسية احتمال الاكتفاء بنفسه ولو لفترة زمنية، فيكرمها ولا يهينها، وفي نفس الوقت لا يجعل من علاقاته بالناس هروبا من نفسه، فيظل يحشرها في حياة الآخرين هربا من ملل الوحدة، يجب أن يتدرب ويتعود على أن تكون راحته في مصاحبة نفسه سواء بالحوار معها أو الأنس بها، فالذي تضطرب حياته بسبب تخلي يزيد اضطرابه بقدر مخاصمته لنفسه وهجره لها.
***
الحياة رحلة أصحاب، رفاق طريق، الثابت والذي لا ينتهي هو الرحلة، أما الصاحب والصحبة قد يتبدلوا بحسب الأقدار، فلندرب أنفسنا على ما ذكره الأديب «عبد الوهاب مطاوع» في كتابه «أهلا مع السلامة»: «حين تأتي النهاية فإنه يحسن الا نطيل فيها، إذ لا معنى للاطالة إلا مضاعفة العناء ومكابدة الحسرة، لأن القطار قد غادر محطته بالفعل، وانطلق باقصى سرعة، ولن يلتفت للمهرولين خلفه، وفي الحب والحياة، ينبغي أن يتعلم الإنسان أن يقول وداعا في الوقت المناسب، وأن يتذكر دائما أن لكل شيء نهاية، فلا يحاول عرقلة ستار الختام عن أن ينزل في موعده، ولا يُعرض نفسه للهوان بالتشبث بالأستار، محاولا تأخير إسدالها».
