اللوحة: الفنان الفرنسي فيكتور آدم
المسلسل السوري «صقر قريش» ناجح وشهير، يَحكي قصة «عبد الرحمن الداخل»، الأمير الأموي الذي ينجو هربا من مذابح العباسيين، ثم يصل للأندلس ويجد مناصرين له فينصبونه أميرا عليهم، كان معه خادمه «بدر» الذي شاركه في فراره وفي ملحمة تكريس ملكه في الأندلس، انغمست حلقات المسلسل كلها في حروب متتالية ودامية بلا توقف، تمردات وخروجات وتعصبات قبلية، سلسلة متصلة من القتال والقتل والتصدي للتمرد، تحالفات مع قبائل ضد قبائل أخرى، ثم تتغير التحالفات لينقلب على أنصار الأمس، حتى يمرض «صقر قريش» بمرض الملوك «الشك»، ويصبح الأمر بالقتل أسهل قرار، والمبرر واحد، الخيانة، يشك في أقرب الناس إليه، حتى يشك في «بدر» أخلص الناس له، فيغادره خادمه منكسرا، وتمر السنون، ويشعر وهو ملك قابض على دولته أنَّه وحيد، فقد تخلص من الكل، البعيد والقريب والعدو والحبيب، استقر ملكه واضطربت نفسه، حتى غشى قلبه الوحشة، واحتلت الشيخوخة جسده، وابتعد الكل عنه خوفا من ظنونه وبطشه.
في النهاية يذهب «صقر قريش» إلى خادمه ورفيق عمره «بدر» في قريته البعيدة وداره الفقيرة المنعزلة، قال له وكأنه يُحدث نفسه: «هل تصدق؟ لم يتبق في قلبي أي ضغينة ضد بني العباس.. لقد شرب بني العباس خمر السلطة، فسكروا وبطشوا بلا رحمة وبلا حد، ونجوت منهم وحدي، ثم دارت الأيام وذقت خمر السلطة مثلهم، ذابت وغرقت فيها نفسي، ففعلت كل ما فعله بني العباس، الآن فهمت ولم أعد أحقد عليهم، فقد أصبحنا معا في برزخ الأشقياء الذين ذهبت عنهم السَكرة فوجدوا أنفسهم مساكين»
***
الدول في العالم أنواع كثيرة، تُصَنَّف بحسب الزاوية التي تنظر منها إليها، في العالم الثالث أردأ أنواع الدول، فيها ينقسم شعبها إلى قسمين، الأول: «مختوم على قفاه» وهم الأغلبية، الثاني: «مختوم على قلبه» وهم الأقلية التي تعاقدت بوثيقة زواج حرام بين الثلاثي الشقي، ذوي السلطة «السياسية والمالية والدينية».
الصنف الأول يستحق ما يناله عدلا وقَدَرا، ومع ذلك فهناك دوما أمل في شفائه أو شفاء بعضه، فالخَتم ليس أبديا،
ولكنه لصيق وسطحي مثل البُقَع أو الطفح الجلدي، الذي يزول بزوال الأعراض والأخذ بأسباب الصحة.
أما الصنف الثاني؛ فلا أمل فيه، وقد يقع تحت التعبير القرآني: “خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”
ولهذا أتعجب من الطغاة الذين ذهب سلطانهم ومد الله في أعمارهم، فعاشوا سنينا طويلة ليفيقوا من سكرة السلطة التي نُزعت عنهم، ورغم تتابع رسائل الجسد التي تخبرهم بقرب الرحيل، لم يندموا ولم يتوبوا ولم يعتذروا!
«وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ» الأنعام (28)
***
قام برنامج «شاهد على العصر» وبرنامج «بلا حدود»، بعمل حوار من عشرين ساعة، مع نائب رئيس جمهورية مصر العربية في الفترة من 1963 إلى 1975، كان يملك سلطات هائلة في عهد «ناصر والسادات»، أغلب عمره في سلطة وقدرة على التحكم في حياة عشرات الملايين من المصريين، ثم نُزع عنه سلطانه وعاش سنينا طويلة في حالة تدين، حتى بلغ سن السابع والثمانية، فكان حديثه بالبرنامج قبل وفاته بأشهر قليلة يمثل أكبر وآخر فرصة للحديث بدون مقاطعة، كنت أتمنى لو انتهزها وقال:
«أيها الشعب المصري أعتذر إليكم وإلى الله»، ثم يسرد بصدق ما صدر منه ومن زملائه من صواب وخطأ، ثم يحكم عليهم قيميا، يحكي عن «حروب وهزائم وشهداء وسجناء وتأميم وسلطوية»، فمن في مثل هذه المرحلة من العمر يدرك أنه على أعتاب لقاء الله، وسوف يُبعث وحده ويحاسب وحده.
لكنه لم يفعل، بل دافع بإصرار عن كل شيء، وحين انتهيت من سماع كل الحلقات، شعرت أنَّه من الصعب تخيل نفسية من ذاق السلطة وسَكرتها، فالمسافة بيننا وبينهم هائلة، وكأنهم في كوكب آخر، فالمعقول والطبيعي أنَّ نَزع السلطة واقتراب النهاية يُزيل عن الإنسان قيود العِناد ويُثير مشاعر التوبة والرغبة الصادقة والأخيرة في التطهر، ولكن تغيير العقلية السلطوية يكاد يكون من المستحيلات.
***
يتحدث الناس بإعجاب وتعاطف مع ختام حياة «صدام حسين»، وهناك من يعتبرونه وليا من أولياء الله الصالحين، لأنَّ كبرياءه جعله يتقبل ختام حياته برأس مرفوعة وثبات، ورغم إعجابي بموقفه الختامي إلا أنني لم أخدع ولم أغفل عن حقيقة أنَّه، لم يندم ولم يعتذر عن الجبروت والظلم، فلا يهمني ثباته أمام الشامِتين فيه من الشيعة وبقية خصومه، ولا يغرني حمله للمصحف أو ردوده المتحدية أمام القاضي وثباته أمام حبل المشنقة، كل هذا يُحسب له من زاوية الكبرياء الذاتي، ولكن تتبقى المهمة الوحيدة المطلوبة منه، وهي أن يُزيل السحر عن الناس، أن يعتذر ويعترف بأخطائه الحقيقية:
«أنه أدخل العراق في حروب متتالية بلا هدف – أمر برش الكيماوي على عشرات الآلاف من الأكراد والشيعة – أدخل البلاد في حروب تسببت في قتل الملايين من الجانبين».
كان عليه أن «يعترف ويعتذر ويتوب»، ولكن تغيير العقلية السلطوية يكاد يكون من المستحيلات.
***
ظهر الصحفي الشهير «محمد حسنين هيكل» قبل وفاته بشهور قليلة، في سلسلة لقاءات طويلة على قناة الجزيرة، يروي فيها ذكرياته وشهادته، أتذكر منها حلقات عن هزيمة 1967، وكنت انتظر بحرص هذه الحلقات، لإدراكي أنَّ ما سيقوله امتحان كبير له.
مشكلة مصر أنها تصغر في عين من يتسلط عليها وينسبها إليه بسهولة، فيقول: «شعبي، بلدي، أرضي»،
يدهشني سهولة أن توضع مصر بشعبها في كفة، ثم يوضع من يحكمها في الكفة الأخرى، فتطير في الهواء كفة مصر وشعبها، وترجح كفة حاكمها، وهكذا مصر دائما، من يحكمها يرتدي نظارة مصغرة فيرى شعبها نملا.
***
في هذا اللقاء ظل يتحدث ساعات عن «ناصر»، لم يتحدث عن الشعب وما ابتلي به من «دماء وفضيحة وهزيمة وتهجير وشماتة الأعداء»، تحدث فقط عن أثر معاناة ناصر النفسية نتيجة الهزيمة، لنتخيل فتى يقود أهله للفضيحة والهزيمة والخسارة والقتل ثم يأتي شخص ليتحدث عن تعبه النفسي نتيجة ما ألحقه بأهله، ويظل ينفخ في مدى ألم هذه المشاعر الرقيقة، ويرحمه بلسانه ويحاول بكافة الكلمات أنْ يَسحرنا للاندماج معه في تخيل القهر الذي أحس به بسبب «عملته السوداء والمشؤومة»، ولا يذكر الملايين من ضحاياه بكلمة أو ذكر أو تعاطف، لم يلتفت هيكل للشعب والتفت فقط لصديقه المسكين الذي يعاني نفسيا من الصدمة، ومن خطر زوال ملكه.
وكم أنت صغيرة يا مصر وهينة في نظر الطغاة، وكم يستحيل تغيير العقلية السلطوية.
الغريب أن هذا الألم الذي صوره لا يمكن أن يتسق مع مذبحة القضاة التي تلت الهزيمة، فقد كان طبيعيا بعد ما حدث أن نتعلم أن الديكتاتورية هي سبب الهزيمة الساحقة، ونعترف بالخطأ ونصححه بأن ننشر الشفافية والديمقراطية والعدل، ولكن بعد شهور من هزيمة 67 كانت مذبحة القضاة التي أراد بها «ناصر» مزيد من القبض على السلطة.
والأعجب أنني كثيرا ما أتحدث مع مثقفين عن هذا الموضوع، ولكن، تغلب العاطفة ونظل قابعين في عقلية ومشاعر الأهلي والزمالك والأغاني الوطنية، ويصعب أنْ نلتفت للإهانة الصارخة للشعب الذي اختزله «هيكل» في الإله الناصري، أرى عدم الشعور بالإهانة والنظر إليها ككرامة من أفدح عيوبنا، عقلية مشوشة في القيم والمنطق، تنظر لنفسها باستهانة بينما تنظر لمن يحكمها بصنمية وتاله.
***
مشكلة الشعوب العربية أنها لا تثور إلا من أجل «عِرض أو دين»، حين ينتهك الشرف المتمثل في الاعتداء على النساء، وحين يتصور أنه مس بالدين، وهذه الثنائية شديدة الخطورة، لأن الإهانة لها صور كثيرة وبلا عدد، وبهذا يسهل على الحكام التلبيس على الشعوب، فيفعل الحاكم كل المظالم عدا ما يمس الثنائي الحساس «العِرض والدين» وهو آمن من الثورة، ولهذا فنحن العرب أكثر شعوب الأرض تقبلا للديكتاتورية وخضوعا للظلم والإهانة.
