اللوحة: الفنانة الألمانية كاتي كولويتز
مارا أحمد

صورة لطفل لم يتعد الرابعة من عمره، بجلابية ممزقة، حافي القدمين، متسخ، يستند إلى جدار أطلال بيت، باكي العينين، يرتعد خوفا أو بردا، أو ربما ضعفا بسبب الجوع، كانت جلابيته الممزقة هي وطنه وبيته بل وربما هي كل أهله.
من أنت؟ أين أبوك وأمك؟ ومن أين أنت؟
أنت عربي؟ واضح جدا من ملابسك أنك عربي، ولكن من أي بلد أنت؟
ملابسك تشبه زي كثير من البلاد العربية الشقيقة؛ قد تكون مصريا أو سوريا أو ليبيا أو يمنيا أو…
لمَ تخل عنك الوالدان؟
هل تهت منهما أم ضاعا بين جثث الموتى الذين غادروا بلادهم وأوطانهم بحثا عن العيش الكريم ولقمة العيش؟ أم ضاعا بين جثث الشهداء الهاربين من نار الحرب، الذين تبعثروا بين فريقين كل فريق يتحدث باسم الله وباسم الحق والعدالة، فاهترأت العدالة بين أيديهم ولم يعد لها ملمح يوصف، بل صارت مسخا لا معالم لها تلمس بالعقل أو بالقلب أو بالعين؟
أم قد تكون نتاج أب وأم أخطأوا الطريق إلى الحب أو أخطا الحب الطريق إليهما فخرجوا إلى الظلام وخرجت أنت إلى النور؛ لتصفع المجتمع على وجهه، وتصفعنا على قلوبنا، تلقي بحجر على صدورنا، تلعن ضمائرنا التي أدمنت المخدر؟
من أنت أيها الملاك؟
- عيد الأم
انتظرت عودته برغيف خبز مغمس برائحته التي تهون عليها الحصار، والنوم تحت قصف المحتل عليهم بالقنابل وقصف الشتاء بالثلج… صوت ينادي.. أماه.. وصوت اقدام كثيرة وبكاء لنساء..
حاولت ان تنهض واقفة ولكن هناك تل يرقد فوق ظهرها… وحديد في ساقيها يكبلها بالأرض…
نهضت وقد غطاها العرق. رغم الثلج.. فلقد كان الخوف مارداً يشدها للخلف. زحفت بأقدامها.. وصوت ينهرها ألا تفتح ستارة الخيمة.. قلبها يقرع بضربات كانت اعلى من صوت المناداة…
“أماه”… الكلمة تتذبذب بين صوت ينادي وصوت يبكي… فتمزقت وتبعثرت قبل ان تصل إلى مسامعها…
فتحت الستارة… كان ابنها محمولا على طاولة خشبية يرفع عليها الخبز.. وكان وليدها ارغفة….
قبلته، تشممت الدم الذي غطى وجهه وجسده…
قبلت جبينه وكفه الذي امسك بالرغيف…
عادت للنتيجة الورقية التي تدلها على عدد الايام. ربما تأخذها إلى السلام… مزقت ورقة وألقتها في النار التي تستدفئ بها… كانت ورقة النتيجة المحترقة ليوم واحد وعشرين مارس.