الحياة في سحابة من خوف

الحياة في سحابة من خوف

محمد ربيع

اللوحة: الفنانة اليمنية سبأ جلاس 

لا يمكنني وصف خوفي بسهولة، أظن أن لكل إنسان طريقة ما لوصف خوفه. أذكر أني عندما عبرت إلى الثلاثين كنت في كوالامبور، صعدت إلى قمة جبل خارج المدينة، الطقس في الأعلى أبرد قليلًا من الطقس عند سفح الجبل، رائحة الغابة منعشة، والضباب قريب للغاية من موضع وقوفي. سرحت في الهدوء المحيط بي، ثم اقترب مني الضباب ببطء، نصف أبيض ورطب، وعندما أحاط بي إحاطة كاملة وفقدت القدرة على رؤية ما حولي ظهر بوضوح كل خوف بداخلي. كان الشعور مسيطرًا إلى درجة عدم القدرة على الحركة أو التفكير أو التذكر، كان هناك الخوف فحسب. تأكدت في تلك اللحظة أن ما أنا فيه هو التجسيد الأوضح للخوف. كنتُ في سحابة الخوف.

أذكر جيدًا أول خوف عايشتُه، في الخامسة من عُمري تقريبًا، كنتُ مع أبي في أحد المحلات، أكلمه عن أشياء لا أذكرها الآن، أنا صغير الحجم وهو طويل لا أرى سوى ساقه بالقرب مني، أمسك يده في انتظار شيء ما، تركت يده لوهلة ثم أمسكتها مرة أخرى. بعد دقائق أدركت أني أمسكت يد شخص آخر لا أعرفه، مضى بي خارج المحل وتوقف على الرصيف، بعد دقائق ظهر أبي وأمسك يدي وتحركنا بعيدًا عن المحل. كلمتُه فلم أسمع أي رد منه، وعندما نظرتُ لأعلى وجدتُ وجهه متجهمًا، تابعت كلامي لكنه لم يرد عليَّ على الرغم من أسئلتي الكثيرة. تابعنا مشينا إلى البيت، وعندما دخلنا فوجئت به ينفجر غاضبًا، لم أكن قد رأيته يتصرف هكذا من قبل، كان منحنيًا عليَّ، وجهه مقابل وجهي تمامًا، يصرخ بعصبية، ظهري لباب الشقة، لا أستطيع الحركة أو الإفلات من أمامه، شلني الخوف، أمي تقف خلفه تبكي، أنا أبكي، لا أذكر إن كان قد ضربني، لكن لا بد أنه فعل. لم أتمكن من كبح البول فتبولتُ رغمًا عني، ومع الخوف شعرت بالخزي. كنت قد تعلمت كيف أتبول في الحمام منذ مدة، وكففت تمامًا عما يفعله الأطفال وهم نائمون. الآن، لا أذكر كيف انتهى ذلك الموقف البعيد، لكني أذكر تمامًا ما قبل التبول المفاجئ؛ وجه أبي الغاضب وعينيه الهلعتين وفمه المفتوح وصراخه بكلام لم أفهم منه أي شيء.

هذه كانت أقدم الشقق التي عشت فيها مع والديَّ، لا أذكر سوى خمسة مشاهد حدثت فيها، كلها مرتبطة بالخوف. أوضح المشاهد كان إجباري على تناول قطعة كبيرة من اللحم، غصصت ولم أبلعها إلا بصعوبة بالغة، والأسوأ أني أجبرت على تناول غيرها، غصصت مع كل قطعة، ثم تبع ذلك إجباري على شرب كوكتيل عصير فواكه لم أحب طعمه بعد أول رشفة، قلت إني لا أستطيع إكماله، فوجئت بالصراخ يواجهني، تابعت الشرب حتى أنهيت الكوب كله، منعني الخوف من القول إن طعمه كان بشعًا.

نصف ذكريات طفولتي تقريبًا عن الخوف الذي أخذ يتزايد؛ الخوف من الفشل في الدراسة، ومن عبور الشارع، ومن الزملاء البلطجية والعنيفين في المدرسة. أذكر أني كنت قد انتهيت من أداء أحد امتحانات نهاية العام، لم يتبق سوى امتحانين فقط، وقبلهما يومان إجازة، ما يعني أن أمامي عدة ساعات من الراحة. ذهبت مع صديقين إلى ملعب كرة قريب من المدرسة، لعبنا قليلًا، ثم -ولسبب لم أعلمه قط- انفجر أحد الصديقين في موجة غضب؛ أمسك بكفي ولواها بعنف لم أتوقعه، وظل ممسكًا بها في ذلك الوضع الغريب المؤلم لدقيقة أو أكثر. شلني الألم والخوف، أخذ يشتمني صارخًا. حينها لم أفكر قط لم يفعل ذلك، لم أسأله ولم أرد على شتائمه، لم أحاول الإفلات، لم أحاول مهاجمته بيدي الأخرى، منعني الخوف من كل ذلك. حينها كل ما كنت أخافه أن تكسر يدي فأضطر لإخبار أبي ليأخذني إلى المستشفى. خفت من غضبه إن حدث هذا، وخفت من تضييع وقت المذاكرة إن حدث هذا، ومن العجز عن أداء الامتحانين المقبلين. كل ما كنت أفكر فيه في تلك الدقيقة البعيدة هو متى سينتهي هذا الوضح، وعندما ترك يدي أخيرًا مضيت مبتعدًا من دون كلمة واحدة.

استمرت الحياة مع كثير من الإجبار والضرب والغضب، لا أذكر الآن مواقف هادئة سوى اثنين؛ أحدهما حفلة عيد ميلادي، والآخر اختبائي خلف كنبة الصالون في الظلام، واستمتاعي -في نور مصباح صغير- باللعب بنماذج سيارات حديد صغيرة.

كان الخوف هو الشعور الوحيد الذي يسيطر عليَّ عندما أرى أبي، تزايد الخوف مع كل مرة قرر أبي أن يشرح لي شيئًا ما لم أفهمه في المدرسة، وفي كل مرة ساعدني على حل الواجب المدرسي، ما جعلني متحيرًا دائمًا بين اللجوء إليه لحل الواجب أو شرح مسألة غامضة، وبين الحصول على درجات متدنية والمغامرة بمضاعفة غضبه عندما يعرف هو ذلك. الأمر الذي دفعني في إحدى المرات إلى تزوير درجة متدنية في الشهادة التي كانت تُكتب بخط اليد في ذلك الوقت، أضفت رقم «1» إلى جانب الرقم الموجود، ثم سلّمتُ الورقة له. كان التزوير واضحًا وأدرك هو ذلك من أول نظرة، سألني بسرعة إن كنت قد أضفت الرقم بقلمي، أدركتُ فورًا أني سأعاقب بشدة ولم أجب عن سؤاله، منعني الخوف، وكانت مفاجأتي كبيرة لأنه لم يفعل شيئًا، لم يوضح لي أن ما فعلته تزوير، ولم يغضب، ولم يسألني لم فعلت ذلك، ظللت منتظرًا عقابه وغضبته المقبلة لأيام، لكنهما لم يأتيا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.