مسائل لغوية

مسائل لغوية

اللوحة: السوري نافع حقي

د. مصطفى الجوزو

  • خبر مغلوط، لا مغلوط فيه

استعمل بعض العباسيين صفة مغلوط لما وقع غلط فيه، واتّبعناهم في ذلك، لكن إحدى قنوات التلفزة اللبنانية تصر على استعمال عبارة: مغلوط فيه، ربما اتبعت في ذلك أحد المعاجم الإلكترونية. 

والحقيقة أنه يحسن إلحاق حرف جر بالاسم المشتق إذا كان فعله يتعدى بالواسطة وكان المشتق عاملاً في المجرور، كقولنا: هذا ما كان مقضياً به؛ أما إذا لم يعمل وأريد به محض الصفة فإنه يتجرد من حرف الجر، كقول الآية الكريمة: “وكان أمراً مَقضيّاً”. ومثل ذلك الصفات الشائعة: معلوم ومجهول.

 أما ما يتعلق بالفعل من حروف الجر، ولاسيما ما يدل على المكان فليس واسطة تعدية، ولا يذكر مع الاسم المشتق، فلا نقول: البيت المسكون فيه، بل البيت المسكون، كما لا نقول: اليوم الموعود به، بل اليوم الموعود، على ما ورد في القرآن الكريم، فالصواب إذن أن نقول مثلاً: افتراض مغلوط، وخبر مغلوط، لا مغلوط فيه، فالعبارة الأخيرة توحي العجمة، ويجب ترك استعمالها.

  • أهمية الفواصل في الكتابة

أعني بالفواصل ما يسميه بعضهم علامات الترقيم أو الترقين، وهي علاماتٌ للفصل بين الكلمات والجمل كالنقطة والفاصلة والقاطعة وعلامة الاستفهام أو التعجب، الخ. وهي، كما هو معروف، وسائل كتابية لا يُستغنى عنها لتعيين نهايات الكلام ورفع اللبس المحتمل عنه، وقد يفضي إهمالها إلى إضرار بالمعاني، عظم ذلك الإضرار أو ضؤل؛ وأضرب على ذلك مثلاً بالحديث النبوي الشريف الذي يتكلم على العقيقة، أي الشاة التي كانوا يذبحونها بعد ولادة الطفل بأسبوع: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، ونَسَكَ معناه ذبح. فإن لم يقف القارئ عند كلمة «عنه» ظنّ أن النبيّ أخطأ في اللغة، أو حسب أن في النص تصحيفاً، لأن اتصال الكلام يقضي بأن تنصب كلمة شاتين وكلمة شاة؛ والحقيقة أن الكلام مستأنف بعد «عنه»، أي هو جملة اسمية، خبرها مقدم ومبتدأها مؤخر، ومعناها: شاتان مكافأتان عن الغلام وشاة عن الجارية، وقد جاز الابتداء بالنكرة هنا، أولاً لأنها مفيدة، وثانياً لأن الخبر شبه جملة مقدَّم أو متعلق بشبه الجملة. ولو كنت محل العاملين في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر الذين نشروا موسوعة الحديث الشريف، وكذلك سائر من نشروا كتب الحديث، لما ترددت في وضع فاصلة بعد كلمة «عنه»؛ ولعلهم قد تورعوا عن فعل ذلك إجلالاً للنص المرويّ، ولا أعتقد أن في وضع الفاصلة اجتراء على النص، لأن أولئك العاملين أنفسهم قد استعملوا الفواصل، ومنها المزدوجان، ولم يكونا معروفين أيام المحدّثين فيما أعلم. هذا ونحن في وسائل التواصل نستغني أحياناً عن الفواصل، كلها أو بعضها، إذا ضاق المكان عن النص، وكذلك تفعل الصحف في عناوينها، وهذا يلبس الأمور بعضها ببعض، وقد نؤاخذ وتؤاخذ هي أيضاً عليه، ويُعدّ من عيوب وسائل التواصل والصحافة الورقية، ولا أستثني نفسي، ويحسن أن نتحاشاه ما استطعنا.

في الأريحية والباهر والمبهر

يستخدم كثيرون، ولا سيما في وسائل الإعلام، كلمة الأريحية بمعنى الراحة بصورة عامة، والحقيقة أنها خاصة بالجود والعطاء، وتدل على سرور الكريم ببذل المال أو ما أشبهه، فهو يعطيه هاشاً باشاً سعيداً بعطائه، وكأنه في حالة نشوة أو طرب. ولذلك يجب الانتباه إلى الاستعمال الصحيح وترك المغلوط.

وما زال بعضهم يستعمل فعل أبهرَ واسم فاعله مبهر، وكأن بهرَ وباهر خطأ. والحقيقة أننا لم نظفر بفعل أبهر في كل ما قرأنا ونقبنا عنه، ولم نقع إلا على صيغة بَهَرَ وباهر فقط. ونكرر أن كل المعاجم، ومنها لسان العرب، تذكر هذه الصيغة الأخيرة، غير أن اللسان نفسه تفرد بالجمع بين الصيغتين من غير أن يؤيد صيغة أبهر ومشتقاتها بأي بشاهد. ولذلك لا يحسن ترك ما استعمله العرب وأجمعت عليه المعاجم، والتعويل على ما تفرد به اللسان من غير دليل على صحة استعماله.

وللأوزان الصرفية معانيها وبينها فروق؛ فنحن لا نستطيع استعمال أَضربَ بمعنى ضَربَ، ولا أسكن بمعنى سكَن، وكذلك الأمر في أبهر وبهر. أما ابتهر فعلى وزن افتعل ولهذا الوزن معان خاصة، وكذلك استبهر الذي على وزن استفعل ذي المعاني الخاصة. والأهم من كل هذا أن ابتكار فعل جديد لا يصح عند وجود فعل مستعمل يؤدي معناه نفسه، وإلا كان حشواً وتكلفاً يربك المستعمل والمتلقي.

  • تخرّج من، وتخرّج في

على الرغم من منشورنا الواضح المتصل باستعمال فعل تخرّج، ما زال بعضهم يصر على استعمال عبارة: تخرّج في الجامعة، والصواب أن «في» تدخل على الاختصاص، و«مِن» تدخل على المكان، نقول مثلاً: تخرج من الجامعة في الهندسة أو الأدب أو الطب، الخ. وليس تخرج في الجامعة، ونقول هو خريج الجامعة، بمعنى أنها هي التي علمته. ومن له رأي آخر فليراجع المادة في المعاجم، علماً أن استعمال هذا الفعل والصفة المشتقة منه نادر عند القدماء.

  • في وقوع «أيّ» خبراً مقدماً لكان

سألني أحد الأصدقاء عن نحو عبارة: «أيّ مَنزل كان منزلك»، أننصب فيها «أيّ» أم نرفعها؟ فكان جوابي أنها تُنصب، لأن الخبر في الجملة الاسمية، إذا كان اسم استفهام، يتقدم على المبتدأ، فإذا دخلت على الجملة كان أو إحدى أخواتها صار الخبر المقدم خبراً لها ونُصب. وحتى لو كانت أيّ تعجبية، فإنها تنصب أيضاً لشبهها بالاستفهامية. لكن إذا لم تكن «أيّ» في الأصل خبراً وجاء بعد كان خبر لها، فإن «أيّ» تعرب اسماً لكان المحذوفة، نحو: أيُّ أبنائك كانَ في البيت، والتقدير: كان أيُّ أبنائك كان هو في البيت، أي يكون اسم كان الظاهرة ضميراً مستتراً تقديره هو، ويكون شبه الجملة خبراً لها. وهو تقدير سقيم، وأنا أفضل رأي الكوفيين في جواز تقدّم الفاعل على فعله، وقياساً تقدم اسم كان عليها، فتكون «أيّ» اسماً لكان مرفوعاً، ويكون شبه الجملة خبراً لها.

  • في كلمة بَرْكي العامية بمعنى لعل وربّما

رد بعضهم هذه الكلمة وصيغها الأخرى: بلكي وبلِكن وبلاكن، إلى الفارسية ثم التركية، ولم يفكروا بالاحتمال العكسي، وهو أن يكون الفرس ثم الترك قد أخذوا الكلمة من العربية، متأثرين بعجمتهم، جامعين بين بل ولكن، أو أن تكون بعض العاميات العربية قد فعلت ذلك وأخذه عنها الفرس ثم الترك بلفظ بلكي، بحذف النون تخفيفاً؛ ذلك أن حذف النون تخفيفاً أرجح من زيادتها على لفظ أعجمي.

هذا وأصل عربي آخر محتمل هو كلمة برَكة العربية التي تفيد في بعض معانيها التفاؤل، وقد أخذها بعض الأعاجم، وهم الفرنسيون، بمعنى الزيادة والنعمة وبمعنى الحظ والنصيب أيضاً.

إن رد العامي العربي إلى أصل فصيح أصح من رده إلى أصل عجمي، إذا تشابه الأصلان وكانت القرينة على الأصل العربي قوية.

  • في الفرق بين المضاف والشبيه به

نقل أحد الأصدقاء الكرام منشوراً يحاول فيه صاحبه بيان الفرق بين المضاف إليه والشبيه به، مستشهداً لرأيه برواية مزعومة عن حوار جرى بين الكسائي (ت 189 هـ) وأبي يوسف (113- 182 هـ) تلميذ أبي حنيفة، وفيها أن الأول أفحم الثاني الذي لم يفرق بين عبارتي: هذا قاتلُ غلامِك، وهذا قاتلٌ غلامَك، إذ أوضح له أن العبارة الأولى تدل على الماضي، وأن الثانية تفيد المستقبل. 

والحقيقة أن من الصعب تصديق هذه الرواية:

لأن قامة ضخمة كقامة أبي يوسف لا تخفى عليها الفروق اللغوية، ولأن الآية الثالثة من سورة الطلاق قرئت عدة قراءات، منها: «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ» و «إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ»، من غير أن يستشعر اللغويون والمفسرون أي خلاف في المعنى.

فالكلمة لا يحكم عليها بمعزل عن النية والقرينة، فمعنى عبارة «قاتل غلامِك» ليس بالضرورة: الذي قتل غلامك في الماضي، لأننا قد نقول: هذا من سيكون قاتلَ غلامِك، لمن ينوي قتل الغلام أو يُعدّ لذلك، أو: هذا من أخاف أن يكون غداً قاتلَ غلامِك، كما أن عبارة «قاتلٌ غلامك»، لا تعني الاستقبال بالضرورة أيضاً، لأننا قد نقول: بدأ فلانٌ المعركة قاتلاً غلامَك. 

أما عند غياب القرينة، كما في الجملة الواردة في الرواية: هذا قاتلُ غلامِك، فالتعويل على نية المتكلم؛ فإذا سمعها القاضي فلا يحكم بما يتبادر له لأول وهلة، وهو ماضوية العمل، بل يسأل عن نية المتكلم: هل تعني بقاتلِ غلامِك أنه قتله أم أنه سيقتله. أما عبارة: هذا قاتلٌ غلامَك، فيغلب عليها نية الاستقبال، لأن اسم الفاعل العامل النصب فيما بعده يجري في الأصل مجرى المضارع ما لم تلحقه قرينة تدل على الماضي، أي أن الذي يحكم المعنى وتركيب الجملة ثلاثة أشياء: النية والقرينة وصحة الاستعمال.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.