هل ثمة مهرب من التعاسة؟

هل ثمة مهرب من التعاسة؟

محمد ربيع 

اللوحة: الفنانة اللبنانية فاطمة الحاج علي

في التعاسة تبدو كل ذكرى وكأنها كارثة تثير الخجل، يبدو كل ما يحدث حولي غامضًا وذا معنى سلبي، كل جملة أسمعها تحمل لومًا أو سخرية أو انتقاد أو حكم، كل حركة تحمل ضغطًا أو إهانة. وفي الوقت نفسه تبدو كل كلمة قلتها في زمن سابق وكأنها إهانة وجهتها لشخص آخر توجب عليَّ الاعتذار له، أجد نفسي مدفوعًا إلى الاعتذار عن أشياء قلتها أو فعلتها منذ سنوات، يثير كل اعتذار تعجب الشخص الآخر لأنه لا يتذكر ما قلت أو ما فعلت، أو لأنه يرى أن ما قلت لا يستحق الاعتذار فأخجل. تفلت صرخة مني لأني لا أستطيع الاعتذار لصديق ميت. أكرر الاعتذار لشخص حتى يمل ويكف عن الرد، أدرك أن عليَّ أن أعتذر لأني كررت الاعتذار وأظل متحيرًا لا أعرف ماذا عليَّ أن أفعل. أنظر في المرآة بالصدفة لأكتشف أني أكره وجهي تمامًا، أبتعد محاولًا أن أنساه لكنه يظل يلاحقني، أتخيل أني أستأصله بموس من ذاكرتي لكنه يظل سليمًا يلاحقني. أدرك أني غير قادر على النظر إلى وجوه الآخرين فأضطر للمشي ناظرًا إلى الأرض. أفكر كثيرًا قبل أن أنطق أي جملة، أخشى أن يفهم مَن يحدثني كلامي بشكل خاطئ، أحاول صياغة الجملة في عقلي بأبسط طريقة ممكنة قبل أن أنطقها، أفشل مرارًا قبل أن أعلن بوضوح إلى مَن أكلمه أني لا أجد ما أقول، أني لا أعرف ماذا أقول، يتوقف الحوار بيننا. أكلم الآخرين ناظرًا إلى ما خلفهم، أو إلى أيديهم، أو إلى صدورهم، أرتبك عندما يدرك أحدهم أني أنظر إلى ما خلفه فيلوح بكفه كي يلفت انتباهي، يفعل ذلك مداعبًا لكن تأثير ما فعل يجعلني عاجزًا عن النطق. أرتبك عندما يخبئ الرجل الذي أحدثه كفيه في جيبيه بعدما يلاحظ أني أحدق فيهما، لا أعلم أين أوجه نظري. أرتبك عندما أكتشف أني أحدق في ثديي السيدة التي أمامي أثناء شرائي شيئًا منها، لا أعلم أين أوجه نظري. يصبح الحل الوحيد أن أغمض عيني فلا أرى أي شيء. لكن تبقى الفكرة المسيطرة تمامًا عليَّ؛ كل هذا لا يجب أن يظهر على وجهي، يجب أن يظل وجهي هادئًا، وإن لاحظتُ الشك في وجه من أمامي فيجب عليَّ أن أبتسم أو أن أجامله بكلام رقيق.

واجهت أوضح تجسد للتعاسة عندما مررت منذ سنوات عديدة بمقلب زبالة قرب البيت، الرائحة كانت قوية، كانت هناك وسط الزبالة جثة حمار في أحد أطوار التحلل، ترقد على جانبها منتفخة ومتخشبة، يظهر من شق عند البطن ما يتحرك داخلها من ديدان. الشمس عمودية والحر لا يُحتمل، الأشياء حولي واضحة المعالم، أمكنني تمييز كل الألوان وتحديد أسماء كل الأشكال، اختفت من أنفي رائحة التحلل بعد دقائق من الوقوف أمام الحمار، مر إلى جانبي رجل وامرأة، أسرعا بسبب الرائحة وهما ينظران إليَّ بوجهين منكمشين. كان كل شيء حولي واقعيًا وواضحًا وملموسًا، لا مساحة لأي خيال قد يهرب الواحد إليه. مرت بذهني حينها كل الأفكار التي عرفتها عن الموت، الجلال والرومانسية، الرهبة والفقدان، كيف تطوّر حب الآباء إلى عبادة الأسلاف، وأخيرًا، نحن في دورة جميلة في هذا العالم حيث يرحل شيء ليأتي شيء آخر بعده. بدت كل هذه الأفكار سخيفة وطفولية أمام جثة الحمار، كانت التعاسة قد سيطرت عليَّ وعلى كل ما أراه. كان الحمار تعيسًا.

هل هناك مهرب؟ نعم بالطبع، هناك الأدوية التي سيصفها الطبيب إن زرته، أعلم الآن أن الدورة ليست من اختياري، بل هي نتيجة خليط من الاضطرابات الهرمونية وأضرار لحقت بمناطق معينة في المخ والخوف الذي استقر منذ الطفولة ويتزايد يومًا بعد يوم، الأدوية قد تساعد لضبط الهرمونات وتحفيز خلايا المخ، لكنها لن تزيل أثر الخوف.

يبقى هناك مهرب آخر فعّال تمامًا، أعرفه واختبرته كثيرًا؛ أن أنتظر المفاجأة المقبلة. المفاجأة قد تكون شيئًا بسيطًا كمشهد شجرة في غابة، أو جرعة ماء في يوم حار، أو طعام جديد أكتشفه لأول مرة، وقد تكون شيئًا مركبًا كفكرة كُتبت على أحد الحوائط، أو كصديق جديد مبهر ومثير للاهتمام، أو حب شخص جديد. المفاجأة هي ما يدفعني لتأمّلها؛ محاولة فهم كيف تعيش الأشجار في الغابة، لم تهدئني جرعة ماء، لم أتذكر مذاق ذلك الطعام، فهمت ما قصده كاتب الفكرة على الحائط، لم يصنف الصديق الجديد نفسه مع أنه غير قابل للتصنيف، ما الفرق بين الحب والهوس؟ أهما الدافعان لكتابة كل هذا؟ المفاجأة هي الشيء الوحيد الذي يدفعني لتجاوز أثر الخوف فيختفي الغضب وتستمر الطمأنينة لأيام عديدة بينما تصير التعاسة أقل حدة واستمرارية، لا تكف الدورة عن تكرار نفسها، لكن تضطرب مدد استمرار كل شعور فحسب، اضطرابًا يصبّ في صالحي تمامًا. وبينما تتكرر الدورة مرات كل شهر، قد تأتي المفاجأة مرة كل سنة أو ربما أقل، لذلك يجعلني انتظارها أكثر تقديرًا لها عندما تأتي أخيرًا. المفاجأة هي ما قد يجعلني أعيد التفكير في مشاعري وأفعالي، في أثر الخوف الذي عليَّ أن أتعامل معه، هي ما قد يجعلني أرى أن التخطيط المستمر لكل شيء ليس أفضل طريقة للتعامل مع من حولي، بل ربما «مسايرة ما يحدث» أفضل من «التخطيط لما أريد أن يحدث». المفاجأة قادرة على طمأنتي، وإسعادي، ودفعي للتغيّر الذي قاومته لسنوات عديدة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.