ابحث عن ذاتك إن استطعت

ابحث عن ذاتك إن استطعت

اللوحة: الفنان الأميركي كارل جروسندورف 

ماهر باكير دلاش

البعض يكتب ليجد ذاته، والبعض يقرأ ليبحث عنها، وفي كلتا الحالتين تظل اللحظة في خطر دائم من أن يفسدها وعي مفاجئ، كما لو أن الإدراك المفاجئ عدو خفي يتربص بلحظات الصفاء. فما الذي يجعل الإنسان يتشبث بلحظة ما وكأنها معجزة؟ أهو الخوف من فواتها أم هو اعتقاد مضمر بأن اللحظة قد تحمل جواباً طال انتظاره؟

في العمق، يتبين أن ما يتجذر في الذات هو ما يتجلى في سلوكها، وأن الحاضر منها هو انعكاس لما يعتمل في دواخلها. وكلما حاولت الذات الهروب من نواقصها، وجدتها تعود لتطاردها كظلٍ يلازم صاحبَه حتى في أضيق الأزقة. فمن أراد أن يكمل النقص، وجد نفسه في مواجهة دائمة مع عبثية الكمال؛ الكمال الذي يبدو أقرب إلى وهمٍ صنعناه بأنفسنا لنبرر سخطنا على العالم.

لكن هل يدرك هذا الباحث عن الكمال أنه لا يسعى إلا وراء سراب؟ فمن أراد أن يُكمّل الدنيا، وجد نفسه ينقصها من حيث لا يدري. وكأن قوانين هذا العالم تحكم على كل طامح بالكمال بالانتقاص الدائم. هل هو حكم كوني أم مجرد دعابة من الوجود؟

الحياة، على ما يبدو، شديدة السخرية في حكمها على محاولاتنا البائسة لإصلاح ما نظنه معيباً. كمثل شخص يركض وراء ظله ظناً منه أنه سيتجاوزه. لكن في النهاية، أليس الإنسان هو من يضع هذه الأهداف الوهمية لنفسه؟ أليس هو من قرر أن يعتبر النقصان عيباً والكمال فضيلة؟

وربما، في جوهر الأمر، يكون سعي الإنسان نحو شيء ما، أي شيء، ليس إلا تعبيراً عن خوفه من الفراغ الذي يخشى أن يبتلعه إذا توقف عن الحركة. كأن الركض المستمر نحو الكمال، أو البحث المستميت عن الذات، ليس سوى محاولة لتجنب مواجهة الحقيقة التي يخشاها الجميع: أن لا شيء هناك ينتظرنا، وأن الفراغ هو الحقيقة المطلقة التي نحاول جاهدين أن نغطيها بكل هذا الضجيج.

والأدهى من ذلك أن الإنسان نفسه قد يكون مدركاً لهذه الحقيقة، لكنه يفضل أن ينسى. فالحقيقة، في النهاية، ليست ذلك النور المبهر الذي يحررنا، بل هي أشبه بمصباح كئيب يضيء الغرفة فقط لنعرف كم هي فارغة. لهذا السبب، نكتب، ونقرأ، ونركض، ونتحدث، ونتجادل، ونتصارع، ونتعلق بأوهام جديدة كلما انهارت أوهامنا القديمة.

لكن، لنتساءل للحظة: ماذا لو توقفنا عن كل هذا؟ ماذا لو جلسنا في مواجهة الفراغ وقررنا أن نقبله كما هو؟ ألن يتحول هذا الفراغ، بمرور الوقت، إلى حليف؟ أم أن الإنسان لا يستطيع إلا أن يكون عدواً لما لا يفهمه؟

ربما تكمن السخرية الكبرى في أننا نحاول ملء الفراغ بأنفسنا، وكأننا نقول: “إذا لم يكن هناك شيء، فلأكن أنا الشيء.” وهكذا نصبح نحن المشكلة والحل، الفراغ والمادة، السؤال والإجابة. لكن في هذا التناقض نفسه يكمن جمال الإنسان وعبثه في آن واحد.

فيا أيها الباحث عن الذات، والراكض خلف الكمال، والمتشبث بلحظتك الزائفة، تمهل قليلاً. لا بأس إن خسرت السباق مع ظلك، فهو يعرف الطريق أكثر منك. ولا بأس إن نسيت ما كنت تبحث عنه، فربما كان النسيان هو الشكل الوحيد للحرية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.