النهر والغياب

النهر والغياب

اللوحة: الفنان النرويجي فريتس ثاولو

محمد محمود غدية

رحبت بها الصخرة الكبيرة، المحوطة بالطحالب الخضراء الملساء، فوق شاطئ النهر، الشاهدة على قصة حبهما، هنا تراقصت الامواج على موسيقاتهما وفرحهما والاغنيات، تسألها الصخرة: لماذا هي وحيدة؟ 

فوجئت بدمعة تشكلت في عينيها، دمعة لم تذرف بعد! فقط تنتظر بلوغ الممر، بعد ان فشلت في السيطرة عليها.

كل هذا النهر من حولها وفروعه فى كل الانحاء، تشكل من دموع المحبين.

 مدهوشة لغياب النوارس التى غادرت سواحل شطآنها، ترى اين ذهبت؟ هل يمكن للنوارس ان تكون عطشى مثلها لدفء المشاعر والحب، وهى المفطورة على البساطة والطيبة والوداعة، صوتها الهامس يتحول لآلاف الفراشات الملونة المحلقة.

تقبض على قلبها وتعتصره آلما وتعاتبه، لماذا كان فى حبه أسرع من الطير فى تحليقه؟ 

ثمة أشياء تشعر بها، لكنها عاجزة عن الافصاح عنها، تهرب قدرتها على التعبير والكلام، ولأنها احبت الكتابة واخلصت لها، كتبت انها كانت تتصيد الفرح من بساتين الحب العامرة، تجمدت اطرافها كلما حاولت الكتابة وكأنها تلامس الورق للمرة الاولى وهى المحترفة، صاحبة عشرات الكتب، غيابه يعني اسدال ستائر داكنة موحشة، اشبه ببيت غير مسكون متهدم، تمضغ احزانها وتلوك تعاستها.

الحياة مليئة بالمفاجآت السارة والمحبطة، تقبلت كل هذا بكل الرضا ورحابة صدر، ارعدت السماء وامطرت، تحولت الى طفلة تحت زخات المطر الذى يروى ارضا متشققة من الظمأ، تمتد بطول قلبها وعرضه.

السماء زرقاء وصافية ومضيئة، والاجواء دافئة موشاة بعبق الياسمين، ورغم ذلك تشعر بالاختناق، ورحابة المكان حولها تضيق بها، لا تدرى سبب للغياب! ضائعة كذرة غبار تذروها الرياح، تلملم شظايا القلب المكسور، فوق صخرة النهر والغياب. 

  • بعض الحماقات

قفزت به السنوات نحو الأربعين دون زواج، زملاء العمل يتهكمون على الزواج الذى يقيد الحريات، شباكه ناعمة كخيوط العنكبوت، من دخل قفص الزواج يريد القفز خارجه والذى خارجه يريد دخوله.

أشبه بعش الدبابير، فخ ترصده الطبيعة، خاف من الزواج ومشكلاته التى لا تنتهي، تظل المرأة تقول: هات حتى تفرغ جيوبك، والمرة الوحيدة التى تقول لك فيها خذ تقول: خذ هاتفd المحمول صلحه! 

 الزواج يهوى بك فى ليل الرماد الطويل حيث الحفر والمطبات، تدخل عش الدبابير طواعية، راح الأربعينى يتراجع أمام خوفه من هجر الراحة والوداعة، وهو الذى يحلم باإمرأة تقطن دمه تحمله على جناحيها إلى أفاق فردوسية مبهجة، تأخذه إلى بساتين البهجة، تسكب فى أعماقه عصارة الشوق والفرح، لابد أن يتزوج ويفتح ثقبا فى خيمات الظلمة التى يحياها، ليطل الفجر الذى يغسل الزهور بحدائقه، ويذوب فى ابتسامات أغادير المساء الحالمة.

لن يستمع لزملاء العمل لابد من الاستسلام للوجع اللذيذ، وارتشاف الهم مرحبا بمن تسكن أسوار حزنه وتسبح بداخله، لقد ارتكب بعض الحماقات فى حياته، حين كان يضبط نفسه متلبسا وهو يتبع امرأة استهوته ليكتشف عدم قدرته على المتابعة ويعود خجلا، أشبعته الأقدار لكما وطرحته أرضا.

 لن يكون نملة وحيدة فى مملكة الحزن، لا بأس من ارتكاب حماقة أخرى بزواجه، ليكتب سطرا فى موسوعة حمقى الزواج والوجع اللذيذ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.