اللوحة: الفنان الإنجليزي إدموند ليتون
أعجبني هذا الفيلم الحائز على أوسكار بعنوان (CODA – طفلة لأبوين من الصم)، يحكي قصة أسرة من أب وأم وابن وابنة، كلهم من الصم عدا الابنة، والصَمَم يلازمه «البكم» فلا قدرة على الكلام، يعملون بالصيد على مركب يملكونه، الابنة هي الصلة بينهم وبين العالم، تتحدث معهم بالإشارة، وتترجم كلامهم للناس، وتترجم أيضا كلام الناس لهم، يُرشحها مدرس الموسيقى لمنحة في أرقى الجامعات لموهبتها في الغناء، وهنا العقدة، كيف ستترك أسرتها للعالم!، يقول لها أخوها: «أذهبي.. على الناس أنْ يجدوا وسيلة لفهمنا»، لكنها تُصر على البقاء معهم.
في أحد المشاهد: «يجلس أعضاء مجلس نقابة الصيادين على الطاولة في صدر الصالة، ويجلس الصيادون على مقاعد في مواجهتهم، يتحدث الأعضاء كلاما غير مقنع، يبرر تَبَنِّيهم قرارات ضد صالح زملائهم الصيادين، بينما يعلم الجميع أنهم يتربَّحون من منصبهم على حساب الصيادين، يدور حوار عقيم بين الصيادين وممثليهم، والابنة تترجم للأب الحوار، ثم فجأة يقف الأب غاضبا ويندفع متحدثا بكلام ويطلب من الإبنة أنْ تترجمه، قال كلاما بليغا وحرا وحكيما، أعجب الصيادين وأيدوه كمتحدث نيابة عنهم»
***
في هذا المشهد تكون المفاجأة في اكتشاف أنَّ الصيادين – الذين استهانوا بالأسرة الصمَّاء – لم تنفعهم حاسة السمع أو الكلام، اشتغلت حواسهم السليمة ضدهم فزادت في ضعفهم وارتباكهم وحيرتهم، بينما انطلق زميلهم الأصم والأبكم بالكلام مدافعا عنهم، لأنه يمتاز عليهم باحتفاظه بوعيه وكرامته ومنطقه.
وهذا له مثيل عندنا في الحياة، فما أكثر النِعَم والحواس المعطلة عندنا «جسدية ومادية ومعنوية»، ولم تنفعنا لأننا اخترنا لها الإهانة، وأصبحنا نستعمل عقولنا وحواسنا مثل من يستخدم الكمبيوتر في الألعاب واللهو فقط، ويَكسل عن استخدام الإمكانات الكبرى فيه، فنحرز أهدافا على الشاشة بينما يشهد الواقع أنَّ الأهداف الحقيقية تدخل في شباكنا وننقلب مهزومين.
***
لماذا تُعطلنا وتضلنا الحواس؟، الإجابة ببساطة «لأنّها تعطينا بيانات خاطئة»، ترى الإهانة وبدلا من أن تأمرنا أنْ نرفضها، تُضَخِّم العاقبة وتملأ قلوبنا رعبا فنَجْبن عن مواجهتها مبكرا، وحين ينتشر الجبناء، ترتع الإهانة وأخواتها بلا مقاومة.
الحواس لم تعد أمينة في تبليغ الرسالة وأداء الوظيفة، يُذكرني هذا بكلمة الغلاف في كتابي (إكرام الأرملة دفنها):
• نظر الساحر في عيون الناس فسحرهم؛ عدا من أغمض عينيه.
• عزف الساحر على الناي للناس فسحرهم؛ عدا من أغلق سمعه.
• أصبحت الحواس معطلة ومُضللة وأسيرة للسحرة.
• ومدينتنا المسحورة؛ يندر فيها من يملك وعيا.
• وفي قصتنا أشخاص؛ أغمضوا أعينهم وأغلقوا سمعهم واحتفظوا بوعيهم؛ ولم يفعلوا مثل الناس.
• وهؤلاء هم الأمل في إنقاذ الناس
***
الذي أعجبني في الأسرة، أنهم رغم صممهم وفقرهم كانوا نظيفي البيت والعقل واللسان والقلب، كلامهم الأخرس شديد الرقي والنضج، لم أشعر بفرق في الحوار بين هذه الأسرة وأي أسرة أخري ثرية أو مثقفة، أسرة راقية وعاقلة وبلا عقد.
كم نسبة الأسر التي بلا عقد في بلادنا؟، يندر أن تخلو أسرة بأفرادها من عقد.
لكن هل الأسرة الأوربية والأمريكية بهذا الوعي؟ الجواب قطعا…. لا، ولكنهم يدركون أن وظيفة السينما رفع القيم عاليا، وتجسيد الخيال لتلقين الحلم الصالح.
ولهذا، وسط التيار الطاغي من الأفلام الجماهيرية التي تبث «العنف والعنصرية والسحر والعلاقات الشريرة»، تفسح السينما المجال لأنْ ينفلت عمدا في بعض أفلامها «القيم والأخلاق والعاطفة الرشيدة والنفوس الطيبة»، وبهذا يشتغل التاجر وأصحاب نشر القيم بالتوازي بحرية، وعلى الناس أن يختاروا.
***
في أحد المشاهد، حَضَرت الأسرة حفل غناء جماعي تقوده ابنتهم، بينما الحضور مُنفعلون ومُعجبون ويُصفقون؛ كانت أسرتها وسط الجمهور لا تسمع ولا تفهم، فالإبنة ليست بجانبهم لتشرح لهم، شعروا بأنفسهم معزولين عن الحدث وكأنهم كائنات مختلفة عن بقية الحضور، صفقوا لإبنتهم لمجاراة المصفقين، لكنهم كانوا تائهين بين شعور الفخر بها، وعدم فهمهم لمعنى الغناء وحلاوة الكلمة والصوت وطبقاته.
في النهاية نجحت الأسرة في دفع ابنتهم للتقدم لاختبار المنحة، وقفت على خشبة المسرح أمام الممتحنين الذين يجلسون على المقاعد الأمامية للمسرح، تسللت الأسرة للمسرح الخلفي وجلسوا يشاهدوا ويشجعوا ابنتهم، بدأت الغناء بصوت ضعيف بسبب ما يتزاحم داخلها من مشاعر تجاه عائلتها التي لو نجحت فسوف تتركهم يصارعون الحياة بدونها، حين رأتهم امتلكت موهبتها وتَنَفست جيدا وأخذت في الغناء، غنت بصوتها للممتحنين، وغنت بيدها للأسرة الصماء، هذه المرة كانت الأسرة حاضرة ومتفاعلة مع الحدث لأنها فهمت الكلمات، وفي النهاية نجحت البنت وفازت بالمنحة.
برع المشهدان في جعلنا نتفاعل مع عالم نبيل محروم من نعمةٍ فَقَدنا إحساسنا بقيمتها، فوجود النعمة يجعل المشاعر بليدة، فلا نَحمدها فينا ولا نتعاطف مع من فقدها.
***
هذه هي وظيفة السينما الحقيقية والإبداع النبيل، السينما سلاح ذو حدين، ونحن كعادتنا نُمسك الأسلحة من الحد الضار ونوجهه في صدورنا ثم نضغط بقوة، فنغتال فينا كل قيمنا الجميلة والنبيلة، بدعوى الواقعية التي هبطت بكل ما فينا من مادي ومعنوي إلى أسفل سافلين.
***
يذكرني هذا الفيلم الأمريكي بآخر مصري أسمه «لوعة الحب»، بطولة (أحمد مظهر – عمر الشريف- شادية)، البطل سائق قطار والآخر عطاشجي (مساعد سائق)، في زمن القصة، كان القطار يمشي بالفحم فكانت ملابسهم وأجسادهم يختلطا بالفحم لونا ورائحة.
لو تم (اليوم) عمل فيلم مصري بنفس القصة والبطل (سائق قطار وعطشجي)؛
فسوف نشاهد البيوت والناس يسبحون في قذارة وفقر وفوضى، تتناثر الكلمات بين الجميع في وقاحة وعُري، ويسود مناخ من «الغضب والصراخ والسباب والعصبية والحقد»، ونرى الناس أدوات ذليلة في يد السلطة الوظيفية والسياسية، يترنحون بين العصا والجزرة، يسري بينهم سلوكيات سيئة وتنفلت رغبات مكبوتة.
***
ولكن في فيلم (لوعة الحب)، في الستينيات، صَوَّرَ البيوت من الداخل نظيفة ومرتبة وأنيقة، الكلمات طيبة ورقيقة وحساسة وتخضع للذوق الرفيع.
أتذكر مشهد العطاشجي مع زوجة السائق حين حدث لها حادث وكانا بالخارج، فاشترى لها “لب” من البائع، فكان العطشجي يضع القشر في يده ليجمعه ثم يرميه في صندوق القمامة بالشارع.
السينما ترسل رسائل في منتهى الخطورة والتأثير القيمي، الزوجة رومانسية ومتعلقة بقطتها، حين صدمتها قسوة وجلافة زوجها، لم ترتكب خيانة، بل أتفقت على مصارحته وطلب الطلاق، وحين تغير الزوج وأصبح صالحا، تراجعت عن طلب الطلاق، فيلم نظيف وراقي وحالم بواقع جميل ويخلو من مثال الضعف أو الغدر.
***
لو رصدنا الأفلام والتمثيليات المصرية في السنوات الأخيرة سوف نُصدم بتيارات جارفة من التوتر والعصبية، مغمورة بسيناريوهات الغضب والإنتقام والعنف الفردي، تصاغ قصص مظلوميات وقهر وحشية، تنبت أحقاد عميقة، فتدور الشخصيات طوال حلقات المسلسل في دوامات من الحوارات والتفاعلات والعنف اللفظي الذي يحمل لغة ونفسية حقودة وخبيثة، تطارد الانتقام والتشفي والتعذيب السادي، لا تغفر ولا ترحم.
الغريب أن من يشاهد المسلسل يندمج في سلاسل الصراع بين الأفراد ويغفل عن ثغرة خطيرة في القصص، وهي اختفاء دور الشرطة والسلطة، فحين ينشب قتال شوارع شعبي يحاكي سينما هوليود، نشعر كأننا في عالم خفي عن المجتمع والسلطة معا.
هذه الأعمال السينمائية والتليفزيونية تعزف على غسل أدمغة ونفسية وعاطفة الشباب، فيتشبع هذه المشاعر والسلوكيات، ويتقمص القسوة والتحامل والعنف.
فيصبح تلقائي في الانجراف إلى ما يؤذي نفسه ويوتر علاقاته ويفسد حياته.
***
لا أدري هل هذه الأعمال تنتج عشوائيا لدغدغة غرائز السوق، أم هي أيدي منظمات خبيثة تتعمد تشويه نفسيات وعقليات الشباب، كيف تفسح لهما الساحة بكل هذه الحرية في الإفساد، وفي نفس الوقت تندر الأعمال الفنية التي تزرع القيم وتنشر الإصلاح.
المدهش أنَّ من يقود هذه النوعية من الأفلام اليوم هم أكثر الشخصيات المحترمة والتي لها رصيد من الأعمال الرائعة والناجحة، لا أجد إجابة تبرر هذا الانحدار، فأتساءل عن القوة الطاغية التي جعلتهم يتحولوا لفتوات العصر الحديث، وهل ما حصلوا عليه من مال يمكن أن يعوض التدمير القيمي الذي تم بثه في أفلامهم ومسلسلاتهم؟، وهل سيستطيعوا الصعود ثانية بعد هذا الهبوط السحيق؟، وهل سيسامحهم الجمهور.
