اللوحة: الفنان الفرنسي بول إيريب
أغلقت باب الشقة خلفي، هبطت بضع درجات، لكن لم أستطع أن أكمل النزول حتى الطابق الأرضي، إذ عدت إليها سريعًا بعدما تنبهت لأمر، قلت: لم تسأليني أسئلتك الروتينية. لم تعبثي بجيوبي دون مراعاة أنني سأعرف كما تفعلين كل يوم. لم تخترق عيناك أعماقي للبحث عن أنثى قابعة هنا أو آثار امرأة هناك. لم تساورك ظنونك التي لازمتني معك منذ سنوات بعيدة.
ثم اقتربت منها وتحسست جبهتها بظهر يدي، قلت: مريضة؟ لا يمنعك من مهامك الصباحية معي إلاّ الشديد القوي من مرض، أو توبة لم يحن أوانها بعد. ختمت حديثي معها وأنا أقف جوارها بضحكة راعيت أن تكون طبيعية قدر استطاعتي.
لم تعر كلامي أهمية، كانت تجلس على ترابيزة في وسط الصالة، تعكف على دفتر، جوارها آلة حاسبة كبيرة، قلم رصاص، برّاية، أستيكة.. ما هذه الأدوات المكتبية؟ لا أعلم من أين أتت بها أو متى؟
اقتربت منها، ربّت على كتفها، قلت بصوت خافت: خير؟
أجابت دون أن تلتفت إليّ، فقط حرّكت كتفها المجاور لي لأبعد يدي عنها، قالت: أربعة من رجال أشدّاء، فنّي في الكهرباء، عربة سوداء كبيرة، جوالين من الخيش السميك، فأس للحفر وآخر للتجريف، بعدما أنهت حديثها لنفسها، أدارت رأسها ناحيتي، قالت: إجمالي الحساب حوالي سبعة آلاف جنيه، يزيد المبلغ قليلًا أو يقل.
قلت: سيارة- فأس- جاروف- أربع رجال- كهربائي؟ مش فاهم، إيه الموضوع؟
نهضت، سارت ناحيتي، دفعتني برفق حتى الباب الخارجي، ودّعتني بقبلة على خدّي وأخرى بين عينيّ، قالت: غدًا أو بعد غد، أو عمّا قريب، كله بأوانه، غالبت دمعة كادت تفر من عينيها، أكملتْ: سأفتقدك يا عزيزي.
اعتصمت بعتبة الباب، وضعت قدمًا بالداخل لكي تمنع غلقه، الآخر بالخارج خشية الغدر، أعدت عليها سؤالي بغيظ، بلهجة غارقة في التوتر: يعني ايه؟
قالت وهي تحدجني بنظرة أم تودّع وحيدها: لن تشعر بشيء، ثق فيّ، تهون عملية قتلك ومن تعرفها جوار ألم خلع ضرس العقل، توقفت وسألتني باهتمام: هل خلعت يا ابراهيم ضرس عقل من قبل؟ قالت ذلك ولم تنتظر ردّي إذ دفعتني هذه المرة بغلظة أكبر للخارج.
سألتها بخوف: ما بال هؤلاء الرجال ولمَ أربعة؟
قالت: لشد وثاقك وشريكتك فالمهمة ثقيلة، وحملك في العربة السوداء، كل منكما في جوال يليق به، سأزيّن جوالها بفيونكة حمراء، أسكب عليها من الخارج زجاجة عطر من النوع التي تفضله هي.
-والكهربائي؟
قالت: غريب أمرك، أعرف عنك نباهتك، فلا تتغابى في ساعاتك الأخيرة، كيف نحملكما ونسير بكما وندفنكما في الصحراء على الملأ هكذا، الرجل خبير في قطع الكهرباء عن المدينة بكاملها.
قاطعتها برجاء من يأمل أن يلين قلبها: لكني لم أفعل ما أستحق عليه هذه الميتة البشعة؟
-الموت واحد وإن تعددت أسبابه، لا تكفر. سمعت خطوات أقدامها تبتعد، صوتها يأتيني خافتًا، تخبرني: لا تنس أن تنطق الشهادة، فالموت يأتي بغتة.
