اللوحة: الفنان البرازيلي سوسانو كوريا
ماهر باكير دلاش

في عالمنا الذي يزدحم بالأفكار والمشاعر، هناك دائمًا تلك اللحظات التي نتوقف فيها لنتساءل: ماذا لو كانت كل هذه التساؤلات مجرد مسرحية هزلية؟ ماذا لو كان كل شيء من حولنا مجرد مشهد على خشبة المسرح، ونحن الأبطال، ولكننا ننسى أحيانًا دورنا؟
لنأخذ، على سبيل المثال، فكرة “الحرية”. لطالما نسمع عنها، لكن هل هي حقًا موجودة؟ أم أنها مجرد فكرة تجذبنا إلى مسرح الحياة مثل مغناطيس، وكلما اقتربنا منها، اكتشفنا أنها كانت مجرد وهم؟ نركض وراءها، لكن كلما اقتربنا، نجدها تبتعد. هي كالفراشة التي نطاردها بينما هي لا تفعل شيئًا سوى أن ترفرف حولنا، غير مكترثة.
ثم هناك فكرة “الوقت”. يعطوننا الوقت، وكأنهم يعطوننا شيئًا ثمينًا لنستخدمه كما نريد. لكن الحقيقة أن الوقت ليس ملكًا لنا، بل هو في الواقع من يملكنا. كلما حاولنا التسلل من بين ثناياه، نجد أن الوقت قد استدار خلفنا وأخذ بيدنا مجددًا، ليفضحنا بأننا لسنا أكثر من دمى في يد الزمن.
وإذا تحدثنا عن “المعرفة”، فإننا نجدها كالمرايا المكسورة. نقترب منها، نبحث عن الحقيقة، ولكننا في النهاية نرى أنفسنا فقط. المعارف التي نظنها ثاقبة لا تفضي إلا إلى المزيد من الأسئلة. هل حقًا نعرف أكثر مما نجهل؟ أم أننا مجرد كائنات تبحث في متاهات لا مخرج لها؟
وفي خضم كل هذا، لا يسعنا إلا أن نضحك. لأن الحياة، مهما كانت مليئة بالتساؤلات والألغاز، تبقى لعبة هزلية. كل ما نحتاجه هو أن نضحك على أنفسنا، وأن نرى الحياة كما هي: مسرح مليء بالضحك، وربما أحيانًا، بعض الدموع.
آسف على الإطالة، لكن إذا تابعنا الغوص في هذا العالم الهزلي، نجد أن كل ما نعتقده ثابتًا يصبح عرضة للسخرية. كالحياة نفسها التي نراها جادة في كل يوم، نبدأ العمل، نركض وراء الأهداف، نحقق الإنجازات، ونضع الخطط، ظنًّا منا أن هذا هو الطريق الوحيد. ولكن هل حقًا نحن متجهون إلى الأمام؟ أم أننا نركض في دائرة مغلقة، وكل خطوة نخطوها تعيدنا إلى حيث بدأنا؟ في النهاية، هل نحن أكثر من مجرد دمى في لعبة لا نعرف قواعدها؟
ثم هناك تلك الفكرة المدهشة، فكرة “النجاح”. هذا المفهوم الذي نطارده وكأننا نسعى وراء سراب. نصل إلى قمة ما ظنناها النجاح، فنكتشف أن القمة كانت مجرد نقطة بداية لرحلة جديدة. والمفارقة أن الرحلة لا تنتهي أبدًا. لذلك، نحتفل بالنجاح وكأننا قد حصلنا على جائزة كبيرة، ولكننا في الحقيقة مجرد فائزين في لعبة لا نعرف هدفها.
وعندما نتساءل عن “السعادة”، نجد أن الإجابة لا تأتي في صورة شيء ملموس يمكن الإمساك به. إنها ليست شيء يمكننا اقتناءه كما نشتري قطعة قماش جديدة أو سيارة فاخرة. بل هي مجرد شعور عابر، يظهر ثم يختفي، مثل لمحة ضوء في ليل طويل. نبحث عنها في الخارج، بينما هي ربما تختبئ في داخلنا، غير مدركة أنها قد تكون مجرد لحظة من القبول.
ولا يمكننا أن ننسى “المعاناة” التي تشاركنا الحياة في عرضها الهزلي. نحن نعتقد أنها جزء من المأساة الكبرى، ولكن هل المعاناة حقًا هي ما يحدد حياتنا؟ أم أنها مجرد مشهد ثانوي، نتورط فيه دون أن ننتبه إلى أن المعاناة نفسها ليست سوى إضافة للمسرحية التي نعيشها؟ ربما هي ببساطة دعوة لنتأمل في معنى الحياة، لكننا نستجيب لها وكأنها عبء يجب تحمله، بينما هي في الحقيقة مجرد فاصل قصير بين مشهد وآخر.
لكن وسط هذه الفوضى، يأتي السؤال الكبير: هل نحن مستمرون في لعبة الحياة أم أن الحياة هي التي تستمر في لعبنا؟ نعود إلى نقطة البداية، نتساءل عن سر هذه الحركات التي لا تتوقف، وكأننا جميعًا نشارك في رقصة مستمرة، حتى دون أن نعرف متى ستنتهي.
وها نحن، في النهاية، لا نملك سوى أن نبتسم. لأننا قد ندرك في لحظة ما أن كل هذه الأفكار، مهما كانت ثقيلة أو مشوشة، هي مجرد جزء من العرض الكبير. نحن هنا لنعيش الهزل، ونحتفل بالأسئلة أكثر من الإجابات. لأن الحياة ليست أكثر من مشهد مستمر، وكلما ضحكنا، كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي نتمكن من خلالها من تحمل وزنها.