التشكيلي عبد الوهاب العوضي.. مسيرة إبداعية بين اللوحة والموقف

التشكيلي عبد الوهاب العوضي.. مسيرة إبداعية بين اللوحة والموقف

حاورته الشاعرة حنان عبد القادر

في شهر إبريل ٢٠٢٥ شارك الفنان التشكيلي الكويتي عبد الوهاب العوضي بصحبة ثلاثة تشكيليين معرضاً في قاعة بوشهري في الكويت، وأطلقوا على هذا التجمع الفني «اتجاهات تشكيلية»، ولأن العوضي من الفنانين المميزين في الكويت إبداعاً وموقفاً من خلال الكاريكاتير اليومي الذي كان ينتظره متابعوه، عدت إلى لقاء سبق وأجريته معه منذ فترة ليست بالقصيرة، وكان في ذروة نشاطه التشكيلي والصحفي، ففيه الكثير عن بداياته وأسلوبه، والقضايا التي شكلت اتجاهاته الفنية.

عبد الوهاب العوضي مولع بالإنسان في صراعه مع الحياة وشقائه، يلتقط في التعابير الإنسانية والمشاعر التي تعكسها الوجوه، كما أنه مولع بالموقف السياسي والاجتماعي الواضح، فهو تشكيلي ورسام كاريكاتير، واظب لفتر طويلة على رسم الكاريكاتير اليومي في صحف ومجلات.. ألوانه مفرحة، تكشف أن له أسلوبه الخاص في الرسم؛ ولوحاته تتمحور حول الإنسان الفرد والرمز. وما يريح النظر في لوحاته، مساحة الأبيض الممتد، ومسارب الضوء المتولدة من داخل اللون في اللوحة، إذ تشعر المشاهد أنه في كرنفال أو احتفال، وتبدو الألوان مولدة للتشاكل بين الماضي والحاضر، التراثي والحداثي في آن. فنجد بعض اللوحات تحمل دفء التراث بألوانه الهادئة، بينما تحمل أخرى الألوان ذات الصخب والخطوط الصارخة، لكنها في مجملها، تترك المتلقي يعارك ما انداح في روحه من تهويمات حول دلالتها وانعطافاتها نحو الكائن والمشتبه منها في ذاته، فيفيق على دهشة تتملكه، وأسئلة لا إجابات لها..

ماذا عن بداياتك كفنان؟

كانت نقطة الحبر الأولى السوداء التي سقطت على ورقتي البيضاء هي إشارة البداية مع الهم الإنساني، كان ذلك على طاولة دراستي في الاتحاد السوفيتي عام 1974، حين كان يشرح الأستاذ لنا تاريخ الإنسانية، كنت أرى في اللون الأسود الحبري الظلام الدامس، والفقر، والتعاسة والشقاء.. كنت أتساءل حينها : لماذا؟!.. لماذا كل هذا العناء؟ هل خلق الإنسان ليتألم؟ وكل هذه الأفكار جعلتني أعبر بالرسوم الكاريكاتيرية، والتخطيطات البسيطة عن هذه المعاناة الإنسانية الدائمة والمستمرة.

وأنا لست فنانا أكاديميا، فلم أدرس الفن، الفن عندي موهبة أصقلتها وطورتها بالتجربة والاحتكاك.. لما كنت أدرس بالاتحاد السوفياتي، كنت أحب مشاهدة المعارض على اختلاف مشارب فنانيها، ورأيت في نفسى اتجاها للرسم، شجعني وقتها فنان كوستاريكي كان يدرس معي، كنا نرسم سويا، وتعلمت منه الكثير ثم طورت نفسي بنفسي، وأول ما عملت بموهبتي كنت أرسم في صحيفة «الطليعة»، كانت مجرد تخطيطات لا أعتبرها تشكيلا، ثم تحولت إلى الكاريكاتير، الذي أخذ من عمري الفني حوالي سبع سنوات، ثم انطلقت في عالم التشكيل.. تجربة طويلة استمرت عبر العديد من المعارض.

حدثنا عن معارضك الفنية، وأين أقيمت؟

أقمت معارضي الشخصية في صالات حكومية إن جاز التعبير، كانت تقام في المجلس الوطني أو صالة الفنون بضاحية عبد الله السالم، وكان يرعاها المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، بالإضافة إلى ذلك قاعة بوشهري، وقاعة الفن المعاصر (كاب) وفي معارض عامة داخل وخارج الكويت بمشاركة مع فنانين آخرين، وقد شاركت في المهرجان الدولي للكاريكاتير في بلغاريا عام 1989، وعرضت أعمالي الكاريكاتيرية في مجلة الليموند ديبلوماتيك الفرنسية التي كانت تصدر عن جريدة القبس.

بما أنك تحدثت عن مشاركتك في المهرجان الدولي للكاريكاتير في بلغاريا، ماذا يمثله هذا الفن لك؟

إنه أكثر من مجرد وسيلة للتعبير الفني؛ إنه شكل من أشكال التعبير عن الذات، عن الهوية والانتماء، ورصد الواقع الاجتماعي والسياسي، والتفاعل النقدي معه.. في الكاريكاتير أعبر عن اتجاهي السياسي، القضايا التي أومن بها سواء كانت وطنية أو إنسانية أو عالمية، وهو متصل مع الروح الفنية عندي.. مستمر وجوده.

وفي رأيى إن الكاريكاتير، الذي لا يتضمن فكرة مفيدة للمتلقي، يعتبر فاشلا، وفنان الكاريكاتير يستشرف المستقبل من خلال التركيزعلى ظاهرة معينة في رسوماته، ويتنبأ بحدوث شيء معين من قراءته للأحداث عبر إطار نقدي ساخر، ويعتبرالكاريكاتير السياسي هو الأكثر تأثيرا وبقاء، حيث يفهمه المتلقي بغض النظر عن بلده أو لغته، لأن للكاريكاتير لغة عالمية.

وعلاقتي بالسياسة في أعمالي ليست مباشرة بالضرورة، ولكنني كفنان جزء من هذا المجتمع وأتأثر بما يحدث فيه، وقد ينعكس ذلك في بعض أعمالي بشكل أو بآخر.

الكاريكاتير لغة بصرية قادرة على اختزال الأفكار المعقدة والمواقف المختلفة في رسوم بسيطة ومُعبرة، تصل إلى شرائح واسعة من الجمهور بسهولة ويسر، ويعتبر مرآة عاكسة لأحداث المجتمع وقضاياه المختلفة، سواء كانت سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أو ثقافية، كأداة نقد بناء للممارسات والأوضاع التي تستدعي التغيير أو الإصلاح، وتناولها بأسلوب ساخر ولاذع أحيانًا، يهدف إلى تحفيز التفكير وإثارة النقاش حول هذه القضايا.

أما عن حبي له، فأنا أحبه بقدر حبي للتشكيل، وليس هناك ثمة تفضيل بينهما، فهما نتاج تأجج عواطفي وانفعالي بما حولي، ولكن ابتعادي عن فن الكاريكاتير اليومي جاء نتيجة لتغيرات شخصية ورغبة في التفرغ لأنواع أخرى من التعبير الفني.

ما علاقة الفن بعملك كاختصاصي في العلاج الطبيعي؟

إن عملي في الطب دفعني إلى رسم لوحات تنبع منها المعاناة والألم، فكلما رأيت آلام الناس، ملأتني شحنات الشجن، وتفتقت ريشتي عن معنى جديد للحياة، لهذا.. أعتبر مرحلة العمل عندي مرحلة كانت محفزة ودافعة رغم روتينيتها القاتلة، فقد ساعدتني في رسم الشخصيات بتعبيرها الجسدي المتلائم مع المعاناة النفسية والانفعالات المختلفة بشكل أعمق وأكثر دقة.

ماذا عن اتجاهاتك الفنية.

أعتمد في أعمالي على التجريدية، والتعبيرية، لأعبر عن المشاعر الذاتية والانفعالات الداخلية من خلال الألوان القوية والخطوط المعبرة في محاولة لنقل المشاعر والأحاسيس والمقصود من اللوحة، للمتلقي بشكل غير مباشر، وأحاول في بعض الأعمال الخلط بينهما كي أخرج بتجربة جديدة لها ما يميزها.

رأيت ما يقرب من 23 لوحة من لوحاتك تركز فيها على ملامح الوجه.. فلم استأثر بك الوجه الإنساني لهذه الدرجة؟

كنت من بداياتي أستخدم ملامح الوجه، وتأسرني التعبيرات الإنسانية، تأسرني ألوانه الجميلة والمثيرة في ذات الوقت، فللحزن ألوانه، كما للسعادة لونها، وللبراءة ألوان تختلف عن ألوان المكر والدهاء، وللخبرة والحنكة ألوانها المغايرة لوجوه الشباب والغضارة.. كنت من خلالها أريد أن أقول للناس كل الناس: إن الحياة جميلة رغم معاناتها.

ورسم الوجوه وسيلة قوية لاستكشاف المشاعر والانفعالات الإنسانية المختلفة من خلال الوجه وملامحه، حيث يمكن التعبير عن الأحاسيس المختلفة بشكل فني غير مباشر مثل الفرح، الحزن، الغضب، الدهشة، وغيرها، وهو وسيلة للتعبير عن رؤيتنا للعالم والإنسان.

لوحاتك تخلو من عنوان يؤطرها.. هل تعمدت ذلك؟

تعمدت ذلك لأترك مهمة قراءة اللوحات للمتلقي، فأنا أرفض تأطير اللوحات والرسومات ضمن إطار معين، قد يفقد المتلقي فرصة التحليق بخياله، ووضع الفكرة التي يستشعرها أثناء المشاهدة، ولا أعتقد أن في قراءة اللوحات مشكلة، فهي تخلو من التعقيد والغموض الذي قد يربك المتلقي.

من أين تنطلق في لوحاتك.. كيف تبدأها؟

اللوحة فكرة تشغل العقل وتؤرقه، فالفكرة هي أساس اللوحة الناجحة، وغالبًا ما يبدأ العمل بفكرة أو تعليق على حدث أو قضية معينة. قد تكون هذه الفكرة نابعة من خبر قرأته، أوموقف شاهدته وتأثرت به، أو تعبير عن رأي شخصي لدي، والفنان الناجح هو الذي يعبر في لوحاته عن قضايا وأفكار محلية وعالمية.. إنسانية على الصعيد الأول.

تتسع مساحة اللون الأبيض في لوحاتك، في حين يتقلص الأسود.. هل لي أن أسأل أي الأوان أقرب إليك؟

كل الألوان جميلة، ولكل لون حوارية يعقدها مع الآخر محدثا هارموني رائع، حتى الأسود إذا وضع في مكانه المناسب.

لا لون عندي أفضل من الآخر طالما يؤدي وظيفته في مكانه الأبرز له، فتعاملي مع الألوان على كليتها، أضعها في زوايا محددة كي تعطي جمالية، فاستخدام الألوان المناسبة يؤدي لخلق جو معين في اللوحة، سواء كانت ألوانًا هادئة أو جريئة حسب طبيعة العمل، فعملها وظيفي وتعبيري لخدمة فكرة اللوحة، والمساهمة في إيصال رسالتها أو خلق الجو المطلوب، لذا فكل الألوان مفضلة عندي كل حسب ما يمكنه أن يخدم فكرتي.

لا حظت في أحد معارضك أن الجسد الإنساني بكماله لا يأخذ حيزا كبيرا في أعمالك، فاليد ظهرت في بضع أربع لوحات، بينما ظهر الجسد شبه كامل في لوحة واحدة لامرأة ترقص فرحا، فما قصة هذي اللوحة الوحيدة؟

هي تجربة ربما تستدعي تجارب أخرى، لابد من التعامل مع المرأة بشكل مغاير للمتعارف عليه عند المجتمع، لا بد من إبراز جمالها دائما، واللوحة التي تشيرين إليها لامرأة ليلة زفافها لذلك ترينها مليئة بالفرح، وربما توحي بمدلولات أخرى لمن ينظر إليها، وكل حسب ما يتوافق مع خالته النفسية والفكرية في لحظة التلقي.

هذا يسوقنا لسؤال عن مكانة المرأة في لوحاتك.

أرى المرأة دائما مضطهدة، لا تتمتع بحريتها الحقيقية، وهمّي الأكبر أن أراها حرة بمعنى الكلمة؛ فأنا أحب المرأة الحرة، ولا أقصد بذلك مجرد الدخول من الأبواب السياسية.

إن الاضطهاد الذي لحقها سببه التراث التاريخي الذي ظلمها هذا، هذا التراث صنعه الرجل، وما زال يحاسبها وفق معاييره؛ وله الدور الأكبر في ظلمها، وفي لوحاتي أبرزها كجزء من المجتمع الذي يعكس قضاياها ويعبر عنها، مثل دورها في الأسرة والعمل، وحقوقها، والتحديات التي تواجهها، أو الصور النمطية الموجودة عنها في المجتمع، وذلك في محاولة لتسليط الضوء عليها وعلى قضاياها ونصرتها ومؤازرتها.

كيف تخطط للمستقبل.

إن همي الأول والأخير هو الفن، لقد تمردت على العمل الحكومي، ولما أطلق سراحي عملت بالفن، ومازلت لم أحقق ما أتمناه؛ لذا أدعو الله أن يمنحني العمر كي أحقق مشروعي.

أحاول أن أقدم رؤية فنية تجمع بين التشخيص والتجريد، مع التركيز على ما يتركه الموضوع من أثر في النفس والذاكرة، وتجربتي الجديدة في الطباعة على مادة “اللينو كات” أضافت بعداً آخر لأعمالي، سمحت لي باستكشاف تقنيات مختلفة والتعبير عن أفكاري بطرق جديدة.. المواضيع الإنسانية تظل هي الأساس في أعمالي، أحاول من خلالها ملامسة قضايا تهم الإنسان والمجتمع.


عبد الوهاب العوضي.. فنان تشكيلي كويتي من مواليد 1953 م.  حاصل على دبلوم طب مساعد من الاتحاد السوفيتي عام 1979، ودبلوم في العلاج الطبيعي من يوغسلافيا عام 1985. عمل أختصاصيا قي العلاج الطبيعي بوزارة الصحة بالكويت. وهو عضو الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، وعضو جمعية الصحافيين الكويتية. شارك في العديد من المعارض الخاصة والعامة. إضافة لأعماله الكاريكاتيرية في صحيفتي “القبس” و”الطليعة” ومجلة “الليموند ديبلوماتيك” الفرنسية. اختارت مؤسسة ويتي وورلد الأمريكية إحدى رسوماته الكاريكاتيرية كإحدى أفضل الرسوم السياسية لعام 1992. كما حاز على جائزة جريدة الشرق الأوسط السنوية في مجال الكاريكاتير عام 1994، إضافة إلى جوائز تقديرية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.