اللوحة: الفنان الفرنسي هنري تولوز لوتريك
ترجمة صالح الرزوق

كانت الغرفة التي أتى بي إليها، مغطاة بسجاد سميك، ولو أمكنني المشي لن يسمعني أحد. ترك الباب مواربا، ولو بمقدوري المشي لغادرت الغرفة. أمس أحرق باطن قدمي بسيجارته. أحضرت زوجته لي الشاي. كانت مبقعة، زوجته، قال لي مرة، كأنها امرأة تعرضت للضرب، ولكنه لا يضربها. سألتني: كيف يمكنك أن تكوني ضعيفة هكذا؟.
جلست على طرف السرير وحملت الإناء حتى شربت. قلت لها: لا أعلم. ربما بالغت بالأمر.
إذا ارتحت لفترة أطول، ستتحسن الأحوال. قلت: نعم. وأخذت رشفة أخرى.
سألت: ما رأيك بثوبي؟ لم أحب اللون، تظهرين به جامدة جدا. قالت: على الأقل أنت صريحة. كلما سألته يقول بالتأكيد، شكلك ممتاز، ولكنه لا يكلف نفسه عناء النظر، ولا يلاحظ ماذا ألبس، ويكتفي بالقول: بالتأكيد، مظهرك ممتاز. أستلقي في سريري أصغي. وأسمع صوت عشيقي وهو يحلق، وأسمع صوت زوجته تناديه، وأسمع صوت شخص آخر يغلق النافذة، أسمع أصواتا، وأسمع صوت خبطة الباب.
الإله الأب يسحب يده من يد آدم، وينسحب من صنيعته، إنسانه الأول، ويتركه لشأنه. سألتني عشيقتي: والآن ماذا تعتقد: كيف استطعت رؤية امرأة واقفة هناك وراء الرب؟. قلت: لا بد أنها فكرة حواء الواقفة هناك.
خطة حواء. يقول عشيقي وهو يربت على يدي: أنت بنت ذكية فعلا، لم يكن لدى زوجتي أقوال كافية عن هذه الأشياء.
الباب موارب. يمكنني سماع أصوات بعيدة. بعد الغرفة التي أستلقي فيها غرفة فارغة، غرفة عليك أن تعبر بها لتبلغ غرفتي، وهي بلا ضوء في المساء ولم يستعمل الإنارة أحد. ولكنها مزدحمة بالأثاث المريح، طاولات كبيرة وصغيرة، مقاعد وكنبات بمساند، ولكن لا يجلس عليها أحد، فهي سوداء. وعلى الضفة البعيدة من هذه العتمة مكتب عشيقي، يعبر غرفتي الفارغة خيط ضوء رفيع ويصلني، وينزلق من باب غرفتي، الموارب. أتمنى لو أستطيع أن أطير.
نحن نسقط، ونحن نتكوم. أتكوم مع عشيقي، وهو يحضنني، من أعماقي، يحضنني من رقبتي، كلا، هو يقبض على السلسلة التي تحيط برقبتي، ونحن نسقط، يمسك السلسلة، نحن نتكوم، ويحاول أن يجرها من عنقي، السلسلة، ويتخلص منها، أنا أتكوم، أصبح وحدي، أذوب بالماء، الماء.
قال لي: تعرفين، أول مرة حصل ذلك معي حينما كنت صغيرا. كنت أجلس عند طبيب الأسنان، وبجانبي، غرفة فحص أخرى. سمعت صوت الحفارة في الغرفة المجاورة، ثم، فجأة، صراخ بنت صغيرة. تلك هي أول مرة أضطرب بها. قال: هذا دليل على البراءة.
قالت المرأة لي: آخ. حينما أنظر إليك، أرى نفسي في صباي.
كيف تعارفتما؟
قالت: في الجامعة. كان بعمري، ولكنه يدرسنا. قالت: أحيانا أتساءل، إن كان هناك لدي شيء لم آخذه منه. وهو يجبرني دائما على التذكر. إذا أخذت تلك الأشياء مني، أعتقد أنني سأنهار بشكل كومة صغيرة مثل قشرة فارغة. أخذت كوب الشاي من يدي، نهضت وغادرت الغرفة. يمكنني سماع خطواتها، أسمع عبورها الحذر من وسط المياه الراكدة في الغرفة التالية، وهي توازن نفسها على طول شريط الضوء الضيق لتعود إلى الجزء المأهول من بيتها.
ما نوع الهدية التي يجب أن أقدمها لها، ما رأيك؟. ماذا تريد؟ عقد من اللآلئ. قدم لها عقدا من اللآلئ. ولكن تقديم اللآلئ علامة الحظ السيء. قلت: هذه سخافة، فهذا ما تريد. كان واقفا بجوار سريري وببطء جر اللحاف عني. أمسك بطرفه وجره ببطء بعيدا عني، حتى كشف جسمي المرتعش الأبيض. وقف بجوار جسمي، يحدق بي، وقال: كأن الله أراد أن يضرب بك المثال لملائكته. انظروا إلى هذه، لا بد أنه قال لهم، هكذا يجب أن تكون عليه المرأة. سألته: لماذا لا تخبر زوجتك بالحقيقة. لم يرد. وابتسم. وعندما ابتسم نفخ الهواء من أنفه، وهذا كل ما سمعته، هذا الهواء المتدفق من أنفه كما لو أن عشيقي قرطاسية تغلغلت فيها الريح.
سألتني زوجته: هل تعتقدين أن لديه خليلة. قلت: كيف لي أن أعرف، وقربت شفتي من كوب الشاي الذي تتخلله عروق زرق والذي أحضرته لي. قالت: ما هو الشيء الذي يجعلك بأبهى منظر، وساطعة جدا. أنت القلب الناصع في هذه الشقة، كل شيء كان مجردا، وبعد مجيئك انكشف هذا القلب الناصع. حملت الكوب من يدي ووضعته على الطاولة. ثم انحنت وضغطت بلسانها على تجويف فمي. وحينما ابتعد فمها عن فمي قالت: في داخلك ليل مثلنا جميعا، ولكن من الخارج أنت ناصعة جدا وتعمي أي شخص. سألتها: هل ستخبرينه؟ قالت: كلا طبعا. الأسرار وجدت لنتكتم عليها.
على سفح جبل شديد الانحدار وتبرز من أرضه حجارة مثل عظام تحت جلد مهترئ، رأيت راعيا صامتا يعتني بقطيع أسراره. وقف الراعي بانتباه دون حراك، وباطن قدمه الحافل بالندوب يلتصق بالأرض. سمعت الخطوات. وسمعت قرقعة الصحون، وسمعت خبط الأبواب وسمعت الموسيقا، والضحكات، والكلمات، وأبوابا تخبط وصراخا، وسمعت كيف خفتت الأصوات، وسمعت هبوط الليل، وسمعت الصمت.
قال الرجل: انظري. ومد يده بصندوق خشبي صغير. فتحت الغطاء، ورأيت عقبي سيجارة وعقدا مقطوعا. سألت: ما هذا. قال الرجل: عليك أن تتذكري. قلت: لا أتذكر. أرى عقبي سيجارة وعقدا مقطوعا. قال الرجل: هذه حكايتنا. قلت: لا أتذكرها. وأغلقت جفني. والآن يمكنني رؤية كل شيء ويجب أن أتذكر وأسبح في رأسي، وأشاهد زبد البحر وخيطانا من الإشنات، والخشب، وأصدافا فارغة، وكلها ملقاة في ظل جمجمتي الذي لوثته الشمس. ولبعض الوقت كان التيار يجرفها، ثم جاء المد ولفظها مجددا، وتركها في ضوء النهار.
قالت المرأة: هاك. كلي شيئا. ووضعت في فمي قطعة دسمة من البط. قالت: هذه المرة كانت النتيجة معقولة. سألتها: ماذا أعطاك. قالت: عقدا من اللؤلؤ. انظري. وعرضت علي جسمها الأسمر المبقع والذي يتدلى أمامه عقد متأرجح. اللآلئ تجلب الحظ السيء. قالت: هذه سخافات.
ضعفك حرضني، قال لي عشيقي. لا توجد فكرة يمكنني تحقيقها إلا معك. جلس واللحاف على حضنه، ولكن جره عني، ومع ابتسامة تأمل ثغري البراق. يمكنك أن تجعلني أنتظر. قال: نعم، أستطيع أن أتركك بالانتظار، وقال: لكنه انتظار بمقابل، انتظار مشحون بإمكانية حصول أي شيء. سألت: هل الانتظار أفضل من حدوث شيء؟. أجاب: الأفكار هي أكثر ثورية من أي شيء يحصل – قبلني على جبيني، نهض ووضع اللحاف على كرسي في أبعد زاوية من الغرفة، ولكنه بعيد عني، وأدار ظهره الرفيع وانصرف.
سريري مرتفع، وكل شيء يدور، سريري جزيرة، عش تافه فوق سفح، الشمس تحرق عيني، تمسكت بحجرة هي سريري، حولي السماء فقط، كل شيء يدور. عندما برد جسمي جدا وأصبح يلمع بلون أزرق مثل الحليب، نهضت. نهضت وذهبت إلى الكرسي الواقف في الزاوية البعيدة من الغرفة، والسجاد الذي أمشي عليه ناعم جدا ويكتم صوت خطواتي. استرجعت اللحاف. وذهبت عائدة إلى السرير وغطيت به نفسي. قال وأنا في منتصف نومي: لقد استيقظت. قلت: نعم. قال: لديك ذاكرة ضعيفة. قلت: لماذا؟. وأشرت إليه ليقترب. هممت بتقبيله. نسيت أنه لا يسعني المشي. قلت: قبلني. قال: أنت كثيرة النسيان يا صغيرة. لم يتحرك من مكانه، ولم يرفع عينيه عني، وضع سيجارة بين شفتيه. أمكن سماع صوت خدش بسيط، واشتعل لسان ملتهب صغير، يد مبقعة وسمراء أمسكت بعود الثقاب. في عيني عشيقي، ارتعشت صورة الشعلة، قابلت عيناه عيني زوجته. قلت لها: آسفة. قالت دون أن تنظر لي: ليس عليك أن تأسفي، أيتها المخادعة الصغيرة. أمر طيب أنك حرة. لأول مرة رأيت بروفيلها، ولاحظت كم هو بروفيلها قوي ورائع، كل جزء منه صلب، وحدوده تحترق في عيني. والآن أنا أعلم: ليس لديها ما تخاف منه، ولن يتمكن أحد أن يأخذ شيئا من هذه العلبة مجددا.

جيني إيربينبيك Jenny Erpenbeck روائية ألمانية ومخرجة أوبرا، مواليد ١٩٦٧، حازت على جائزة الإندبندنت للرواية الأجنبية لعام ٢٠١٥، وجائزة البوكر الدولية لعام ٢٠٢٤. والقصة من مجموعتها “الطفلة العجوز وقصص أخرى”.