أصبحت ساخرا

أصبحت ساخرا

اللوحة: الفنان الأميركي جان باسكيات

ماهر باكير دلاش

في عالمنا اليوم، أصبحت السخرية أسلوب حياة أكثر منها مجرد رد فعل على الأزمات. لم تعد السخرية مقتصرة على كلمات فكاهية أو نكات عابرة؛ بل أصبحت أداة أساسية لفهم الواقع والهروب منه في آن واحد. وفي هذا العصر الذي تتشابك فيه الحقائق والأوهام، أصبح التفكير الجاد هو الخطأ الأكبر، والسخرية هي الذكاء الذي يعبر عن نفسه في أبهى صورة.

الآن، ماذا يعني أن تصبح ساخراً؟ هل هي حالة عقلية أم مجرد مسار للعيش في عالم مليء بالعبثية؟ هل السخرية نوع من التحرر أم هي في النهاية قيد يفرضه الواقع على من يفكر في عمق؟ قد يبدو أن الساخرين يضحكون على العالم، ولكن في الواقع، هم يضحكون على أنفسهم أكثر من أي شيء آخر. إنهم يرفعون الستار عن اللامعقول، وعندما لا يجدون جواباً مقنعاً، يطلقون ضحكة مريرة، ربما هي أقرب إلى العواء في ظل الظلام.

الفلسفة، بدورها، لم تكن أبداً أكثر سخرية من اليوم. في الماضي، كانت الفلسفة بحثاً عن الحقيقة؛ اليوم، أصبحت فلسفة البحث عن كيفية العيش وسط أكاذيب مريحة. نحن في عالم يفتخر بجوابه، ولكن السؤال يبقى بعيداً. وفي هذا اللامعقول، يتراءى للساخرين أن السخرية هي الرد الأكثر حكمة على هذه الكارثة الوجودية. ولعل أعمق سخرية تكمن في أن كل شيء يبدو جاداً في ظاهره، بينما هو في جوهره مجرد تراكم من المصادفات.

لا عجب أن الفلاسفة في العصور الحديثة يميلون إلى السخرية أكثر من أي وقت مضى. كان سقراط مثلاً، في محاكاته لأبطال اليونان، يهزأ من كل شيء وكأن لا شيء يستحق الجدية. وإذا كان سقراط قد سخر من كل شيء، فإنه كان يعي جيداً أن السخرية هي الموقف الأكثر نضجاً في وجه العالم الذي لا يتوقف عن إزعاجنا بتفسيراته العميقة.

لكن، هل السخرية حلاً؟ أم أنها مجرد مسكن مؤقت؟ ربما هي كذلك، ربما هي فرصة للهروب من الزمان والمكان، ولكن في جوهرها، السخرية ليست إلا تأكيداً على عبثية المحاولة نفسها. نضحك على هذا العالم، لأنه ببساطة لا يستحق الجدية. نضحك لأننا لا نملك إلا أن نضحك، في الوقت الذي نعلم فيه أن الضحك ليس سوى ضجيج يملأ الفراغ الذي خلفه غياب الإجابة.

والخلاصة، في نهاية المطاف، هي أننا أصبحنا نعيش في زمن تتداخل فيه الفلسفة مع السخرية بشكل يجعل من المستحيل الفصل بينهما. هل السخرية هي الحقيقة؟ ربما، وربما تكون هي الأكذوبة الأكثر صدقاً.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.