الذبابة العنيدة

الذبابة العنيدة

اللوحة: الفنان الهولندي جان فان كيسيل الأكبر

صبحي السلماني

في الوقت الذي كانت فيه الذاكرة الذبابية ﻻ تتجاوز بضع ثوانٍ، كان باستطاعتها أن تتذكر أيام طفولتها عندما كانت يرقة، وكانت تبصر مالا يستطيع غيرها من الذباب أن يبصره، وتستجيب للاهتزازات الصوتية والحركة لمسافات بعيدة. 

أما لماذا حدث ذلك وكيف؟

 لا أحد يدري. كل الذي يعرفونه عنها إنها عنيدة ومشاكسة ولديها أفكار متطرفة لا تنسجم مع الأفكار والقوانين المتعارف عليها في الوسط الذبابي في أي حالٍ من الأحوال. 

وهي تستعرض أفكارها في حضرة لفيف من رفقتها، قالت:

 ليس من العدل أن نقضي حياتنا القصيرة في هروبٍ دائمٌ، نلوذ خلف أكوام القمامة ونحتمي بالجدران العتيقة، ليس من العدل ان يطاردنا الصغار بمصائدهم ويسحقنا الكبار بأحذيتهم. لماذا لا نحضَ بنفس الاهتمام الذي يحضى به النحل ونعامل بنفس الطريقة التي تعامل بها الدبابير، لماذا كل هذا العداء المتجذر في النفوس الآدمية ضدنا نحن معشر الذباب؟ 

– هه…. قلتِ النحل… أليس كذلك؟! 

 وهي تلوي مؤخرتها وتستدير نحوها، تساءلت إحداهن، ثم أضافت:

النحل يا صغيرتي يعطيهم العسل الذي نتوق أنا وإياك شوقًا لرؤيته، أما أنت فتعطين البراز، أليس كذلك؟

هل لديك شيء آخر تعطينه غير البراز؟ 

هاه… هيا أخبريني هل لديك شيء آخر غيره؟! 

أما وانت تقارنين نفسك بالدبابير، قالت أخرى:

مع قناعتي بأن ليس هناك وجهًا للمقارنة، لكنني لا أجد من يعتني بالدبابير أو يهتم لأمرها. لكن قولي: يهابونها، يتأبطون شرها… أي نعم أتفق معك. 

وهي تستمع إلى ما تقوله الذبابات المتحلقات من حولها ولا تصغِ، بعد التطور الخطير والمفاجئ الذي طرأ على كيانها، صارت تفكر بأشياء أخرى، أشياء لا تنسجم ومستوى تفكير المنظومة الذبابية برمتها. 

مع الضياء الأخير، شأنها شأن غيرها من الذباب أخذت طريقها إلى البيت المهجور الذي يقع على تخوم المدينة. لتلتصق بأحد الجدران المتهالكة وتقضي ليلتها. 

 وهذا البيت رغم تداعي بعض أركانه، لكنه ﻻ زال يحضى بأهمية خاصة ليس عند الذباب فحسب. الخارجون عن القانون وتجار الممنوعات يتخذونه وكراً لهم، الكلاب السائبة والحمير تلوذ في أفياءه إذا ما اشتد عليها القيظ، وفي أرضه حفرت الجرذان جحورها، ومن سقفه تتدلى شباك الصيد التي تنصبها العناكب. 

قبل أن تستسلم للكرى، في مكان ليس بعيد عن مرمى نظرها لفت انتباهها أحد الذكور وهو يغازل ذبابة، بطريقة مضحكة أفرد جناحيه وصار يلف حولها ويدور ومن ثم يقترب، يلكزها بيده على بطنها ثم يبتعد، يتوقف قليلا كي يرى ردة فعلها قبل أن يعاود الدوران واللكز من جديد، وعلى الرغم من عدم استجابتها لرغباته الطائشة، ربما لأن القوانين الذبابية قد خلت مِنْ أيّة فقرة تُجرّم التحرش الجنسي، لم يبقَ أمامها إلا أن تستجيب لرغباته أو ترحل. 

أثناء الطيران لم تقدر المسافة بشكل جيد، علقت بواحدة من الشباك التي تتدلى من السقف، لحظتئذ انبرى لها أحد العناكب المتخفية في السقف، وقيدها بخيوطه الدقيقة قبل أن يشرع في افتراسها. 

 وعلى الرغم من أن الكثير من الذباب قد شهد تلك الواقعة الأليمة، إﻻ أن أحداً منها لم يحرك ساكناً، وهذا بحد ذاته يكفي لأن يجعلها تتبرأ من تلك الفصيلة البائسة وتُنفذ القرار الذي يعتمل في مخيلتها. 

في صباح اليوم التالي، لم تلتحق بأسراب الذباب التي اتخذت طريقها إلى أكوام القمامة كما هي العادة.

 قبل ان تيمم وجهها صوب المدينة، وهي تحلق في الفضاء الرحب، كانت حريصة أن تلقي نظرة الوداع على بعض المعالم التي خبرتها:

البيت المهجور… أكوام القمامة…. البرك الآسنة….. مغاور الكلاب…. 

لم يكن بمقدورها ان تستمر في الطيران لفترة طويلة، أحد البيوت البائسة لذوي الرؤوس التي استوطنها القمل، والأجساد التي تقع تحت مرمى البراغيث، كانت محطتها الأولى.

 كل شيء يبدو عشوائياً ومبعثراً… الذباب يزحف فوق الأسمال والبُسط العتيقة، والأطفال المدججين بالأحذية والمصائد المصنوعة من الأشواك وسيقان القمح الجافة خلفه يزحفون، والزوجة (وجه النحس) تزحف خلف الأطفال لتعاقبهم، والزوج يزحف خلف (وجه النحس) مهدداً إياها بزوجة ثانية وثالثة…! 

وعلى الرغم من أن وجودها في مثل هكذا أجواء فوضوية زاحفة ومتداخلة في بعضها مناسب جداً لها كذبابة، لكن الأمور وهي تسير بتلك النمطية البائسة لن ترضي طموحها، كونها تختلف كثيرا عما كانت عليه في البيت المهجور.

من جديد وجدت نفسها تحلق وتندفع أكثر في عمق المدينة.

من بين جميع الدور التي تتكوم فوق بعضها اختارت أكثرها علواً وربما سعةً دون سواها، ولأنها تعرف بأن الأبواب لم تُشرع في حضرتها، صار عليها ان تخاتل وتنتظر.

من تحت ورقة توت يابسة، ورغم أن الصور بدت ضبابية بالنسبة لها، كان باستطاعتها أن ترى الدبابير تجمع الطين وتبني بيوتاً لها على جذوع الأشجار المتشابكة عروشها، والفراشات مع النحل يتبادلن الأدوار في نشر أريج الزهر ونقل حبوب اللقاح، كان كل شيء يجري بشكل منتظم وانسيابية عجيبة، على العكس من العشوائية التي عهدتها في مكبات القمامة، حيث الجعول والذباب تتدافع بالمناكب مع الكلاب والحمير من أجل لا شيء!

وما أن أُتيحت لها فرصة التسلل إلى الداخل حتى بدأت بالطواف بين المسالك التي يعتورها الخرس، لا جلبة أطفال تتراشق بالأحذية ولا طنين ذباب، ولا وجوه نحسة… 

الخادمة في مطبخها منشغلة بإعداد الطعام وأصحاب الدار نيام والحمّامات نظيفة، نظيفة جداً إلى الدرجة التي جعلتها تعتقد بوجود ذبابة أخرى غيرها حين تجلت صورتها على الجدار. وثمة صناديق خزفية مغطاة لم يتسن لها أن تعرف محتوياتها، لأن أحداً لم يخبرها من قبل ولم يخطر على بالها، بأن مترفي العيش حتى وهم يقضون حاجاتهم كانوا يحرصون على إيداع برازهم في صناديق محكمة الأقفال ونظيفة.

لم تكن الحمّامات ولا المسالك غاية مبتغاها، كان طموحها أكثر من ذلك بكثير، هي تريد أن تخوض التجربة كاملة وغير منقوصة، كانت تريد أن تثبت لنفسها أولاً ثم للفصيلة المتخاذلة من بنات جنسها، بأنّها قادرةٌ على أن تجتاز كل الخطوط الحمراء التي تفصلها وإياهن عن هذا العالم المخفي. 

وهي تتخطى كل النواميس وتواصل جولتها، لم تجد صعوبة في التسلل إلى بعض الغرف من تحت الأبواب الموصدة. 

طافت حول الأجساد المتعرية في أسرّتها، تدحرجت على السيقان الناعمة، تفحصت بشفتيها كينونة الصدور الدافئة….

ورغم تمردها على الكثير من الطقوس المتعارف عليها في الوسط الذبابي، إلا أنها لم تستطع ان تتخلص من عادة حك الأيدي، فصارت كالطفل حين يعبر عن سعادته، لا تنتقل من مكان إلى آخر قبل أن تنتهي من تلك الفعالية التي تنطوي على كثير من الغباء والسخف. 

تلك الحركات والسلوكيات الغير منضبطة إضافةً إلى الطنين، كانت كافية لأن تجعل الأجساد المتعرية تفزُ من نومها وتنتبه إلى وجودها. 

وعلى اعتبار أن تسلل ذبابة إلى داخل المنزل على ما يبدو يحدث لأول مرة، فهذا بحد ذاته نذير شؤم وسابقة خطيرة.

استدعوا الخادمة التي حاولت عبثًا أن تخفف من فورة غضبهم، على اعتبار أن الذي تسلل إلى الداخل هو ذبابة حقيرة وليس دبور أو عقرب لا سمح الله.

لم يخفف كلامها شيئاً من فورة غضبهم، ولم يعفوها من اللوم والتوبيخ. 

قاموا بتفعيل المصائد الكهربائية وطلبوا منها أن تتأكد بأن النوافذ والأبواب التي تفضي إلى الخارج جميعها مغلقة. 

لكن قولوا بعد أن أُكتشف أمرها، وبعد أن دخل أصحاب الدار في حالة إنذار قصوى، وبعد أن فُعلت المصائد، وبعد كل الذي جرى، هل توقفت الذبابة العنيدة عن الطيران، هل فكرت أن تجد لها مخرجاً أو ملاذاً آمناً تلوذ في حماه إلى أن ينجلي الموقف وتتاح لها فرصة الهروب…..! 

استمرت في عنادها وكأنّ شيء لم يكن.

 وربما لأنها لم تشهد مثل هكذا تكنولوجيا متطورة من قبل، أثناء طوافها اقتنصتها واحدة من تلك المصائد وقذفت بها حطاماً على الأرض. 

 قبل أن تقضي ويتم تشييعها إلى إحدى السلال. حين وجدت أن جوقة من أصحاب الدار بجلالة قدرهم يلتفون حولها ليشهدوا نهايتها، صارت تشعر بالفخر، لأن الجهد الذي بذلته في رحلتها الاستكشافية وحصيلة المشاهدات تستحق مثل هكذا نهاية مشرفة. وبطبيعة الحال هي لا تعرف وكيف لها أن تعرف، بأن هناك سلال مهملات، وبراميل قمامة، وسيارات متخصصة لنقل محتويات تلك السلال والبراميل إلى مكب النفايات، حيث الذباب والجعول بالمناكب تتدافع مع الكلاب والحمير.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.