كل شيء بعدك تغيّر

كل شيء بعدك تغيّر

اللوحة: الفنان النرويجي إدوارد مونك

شهربان معدّي

بالأمس عندما زرتني، وعدت اليّ مع العصافير التي عادت بعد رحيل الشتاء، قدّمت لي بيمينك حبة برتقال، وبيسراك قصفة قندول، أدمت راحتيك التي قلّبت كل البراري، بالأمس، عندما دَرَجتَ في مساحة حلمي، كطفل صغير، وبحثت عني في كُل الأماكن، كنت انتظرك هُناك على مقعدك الخشبي العتيق، وكانت ثمة أُمنية قد تحقّقَت، أُمنية عجزت ان أصوغها..؟ كيف عدت اليّ بعد كل هذه السنين..؟

وكنت سعيدةً بحضورك الذي عطّر جدران بيتي، برائحة الطيّون والزعتر.. لطالما عَاتبّتُ أنامل الدهر التي فرّقت شملنا، ولكنّك عُدت يا والدي، وكانت نظراتك الحنونة، تتساقط على بيداء روحي؛ كقطرات المطر..

وفي مساحة الحلم، تحدثنا طويلاً، واسترجعت ذاكرتنا كثيرًا من الذكريات الجميلة، المنقوعة بالعسل، والمرشوشة بالسُكّر.. ذكريات عن طفلتك المُدلّلة التي لم تكبر، والتي كانت تُجافلك كل يومٍ، لتخبئ لكَ جريدتك الصباحيّة، وكنت في كل مرةٍ تسامحني، تمسد ضفيرتي الطويلة، وتربّت على ظهري، تحمل محفظتي، لتوصلني حتى عتبة المدرسة..

بالأمس، عندما زرتني، تحدثنا طويلا، وسألتني عن تخوم الزيتون، وكرمة العنب، وترابنا الأسمر.. وذكّرتني بالسنونيّة الصّغيرة التي كانت تعشش في سقف شرفتنا الغربية، وامتعضتَ، حين اخبرتك انها رحلتْ، وعُشّها تحجّر..

وكنت تصغي لي بروحك وقلبك، وعينيك اللّتين كنت أرتشف منهما الحنان الأبوي الشّفيف، وحلاوة الصّبر..

وبكيت كثيرا يا والدي عندما اخبرتك، انّك ما زلت بالبال، رغم انه كل شيء بعد رحيلك تغيّر..

ألوان المروج تبدّلت، والسّماء والجبال، وصوت صياح الديك، وأحراش الصّنوبر..

كانت قلوبنا كبيرة تتسع لكُل هذه الأشياء.. وتعشق الغيمة الكريمة، واللّوزة المُزهرة، وتستعذب مياه النهر..

ولكن ثمّة يد خفية، جعّدت قُرص الشّمس، وعبثت بوجه القمر. وحوّلتنا لدُمىً آدمية، تتحكّم بمشاعرنا رقائق الكترونيّة، نتبادلها بالصّور..

وقلت لك يا والدي، انه بهرجة هذه الحياة ورفاهيتها وجمالها الآسر، سلبت الإنسان عقيق روحه، وضميره.. وفتنتهُ بالمظهر!

واخّبرتك ان الناس أصبحوا غُرباء، رغم انهم متجاورون، واحدهم بالكاد يرى الآخر، يعيشون بصناديقٍ مقفلةٍ، يعجز عن اختراقها سبارتكوس العظيم، وجيش اسكندر..

فأطرقت رأسك قليلا يا والدي، وهدّأت من روعي، وأعدتني للزمن الجميل، حيث صفاء العيش وطيب المعشر، حيث كانت القهوة المهيّلة، تدور بدار الفرح؛ وحيث اللقمة الهنيّة، المغموسة بالرضى والتسليم، وبما قسَمَت يد القدر..

وحدثتني عن عزّة نفسٍ منحتكم الاكتفاء رُغم الحاجةِ، والاتكال على الباري، دون البشر..

وطمأنتني بأن خزائن رحمة الله لا تنفد، رغم قسوة الزمان، وتقلّبات الدهر..

وترقرقت من مقلتي دمعة عصيّة، عندما تذكرت ايامنا الحاليّة الحُبلى بالمآسي، والأحداث الرهيبة، التي تناولتها يد الغدر.. والتي أفقدت الإنسان هيبته، وأمنه وأمانه، بأسرع من طرفة عين ولمح البصر..

وفي مساحة الحلم، سألتني بشوق يعقوبٍ، عن اخوتي وهل هم بخير؟ فطمّنتك عن حالنا، وحدّثتك عن أولادنا الذين لم ترهم، وانهم أصبحوا، شبّانًا أشدّاء، بجمال القمر..

وكم حزنت يا والدي عندما استيقظت من حلمي الجميل، قبل ان أُخبرك بأنني ما زلت ابنتك البارّة، رغم هذا الزمن الأغبر..! ورغم أن كل شيء بعد رحيلك..؟ تغيّر.. ولكن بيدر الخير الذي في قلبي زَرَعْتَ.. ما زال أثبت من الوشم، وما زال كما أردته، أخضر، أخضر..

رأي واحد على “كل شيء بعدك تغيّر

  1. مساء الخير أستاذتي الكرام
    عسى أن تكونوا بخير وسلام.
    وشكرًأ لحضرتكم على نشر المقالة.
    نسيت الشّدّة على كلمة تغيّر في عنوان المقالة.
    أتمنى أن تستطيعوا إضافتها، وأفضالكم سابقة عليّنا.
    دمتم في خير وأمان، في عالم اكثر ما نحتاجه فيه “السّلام والأمان”

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.