معاناة بين قهرين في رواية «بين غربتين» لسعاد الراعي

معاناة بين قهرين في رواية «بين غربتين» لسعاد الراعي

جمعة عبد الله

منطلقات السيرة الذاتية، تحتاج الى خبرة وكفاءة في هندسة لسردها وترتيب أحداثها في صياغة تملك إبداعاً فنياً في التكوين، في ذكر أهم الأشياء الحساسة والمؤثرة في فعلها السردي الدراماتيكي الصاعد الى الذروة، في السليقة الشعورية في الكشف والبوح، في المشاعر الحسية الداخلية، التي ظلت راقدة في الذهن والشعور، وينبغي إفراغها وسكبها بصياغة الفن الروائي الحديث، لذلك السرد الروائي، برع في ترتيب هذه الانثيالات الشعورية الذاتية، ربما شيء مختلف عن المألوف، بأن أغلب الروايات، السيرة الذاتية، عن أحلك مرحلة سياسية مرت في تاريخ العراق، هي فترة حكم البعث المتسلط بالإرهاب والطغيان، والمواطن تحت مجهر عدسة رجال الأمن، في المراقبة والترصد.

أغلب هذه الروايات جاءت على لسان رجل أو بصيغة المذكر، ولكن هذه الرواية جاءت بلسان امرأة بصيغة المؤنث، التي عاشت هذه الذكريات بالمعايشة الفعلية واليومية، كانت في عين الترصد والمراقبة، لأن زوجها نجا من قبضة الدولة البوليسية، واختار طريق الغربة في بلغاريا/ صوفيا) وكانت السلطات الأمنية اعتقدت بأن زوجها لن يتحمل فراق زوجته وهي حامل، كان لديهم يقيناً بعودتك طالما أنا باقية هناك قريبة منهم، كأنهم لم يفهموا!) ص26. 

لذا فنحن إزاء ذكريات واقعية حدثت فعلاً، تمثل بخطوطها العامة، وجع الوطن. وجع النضال السياسي والحزبي، وجع الغربة في ظروفها الصعبة وفي أماكن مختلفة. العراق. بلغاريا/ صوفيا. اليمن الجنوبي) حتى المناخ مختلف كلياً، من درجة السخونة العالية العراق. اليمن الجنوبي) الى درجة التجمد 10 درجات تحت الصفر بلغاريا/ صوفيا)، بدون شك هذا التكيف صعب في هذه الأماكن المختلفة، تحتاج طاقة لتحمل أكثر من الواقع الاعتيادي، لكن السارد العليم، بطل الأحداث الروائية، تعلمت وتربت من عائلتها، الأم والأب، خصال التحدي والشجاعة والثقة بالنفس. 

إن قدرة الصياغة السردية تجعل القارئ يفهم ويدرك مدى قساوة سنوات العجاف، سواء داخل العراق، وفي الغربة والمنفى أيضاً، جسدت فيها مشاعرها الذاتية بسليقة حرة منطلقة من أعماق الشعور الذاتي، هذا يشير أننا بصدد امرأة مناضلة ومكافحة تتحدى الظروف بكل تضاريسها المختلفة، رغم الوجع والألم الداخلي، لذا صفحات السرد الروائي. هي ازمنة التحدي، رغم هواجس القلق والتوجس والحيرة، إن هذه الرحلة الطويلة، في رحلة المنافي الطويلة، هي رحلة المجازفة والمجازفات الدائمة والمستمرة، منذ أن وطئت قدميها في أرض مطار صوفيا، ولم يكن زوجها في استقبالها، وذهبت الى الفندق وحدها، وهي تحمل حقيبة الكتف فقط، وبعد أيام التقت بزوجها الحبيب، وكذلك عانت من بعض السلبيات من العلاقات الرفاقية، التي صدمتها بالمفاجأة غير المتوقعة، بأن أحد اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البارزين، قابلها بالغضب والاحتجاج بصوت غاضب؛ أخرجي من هنا لا نريد رؤيتك) حاولت أن تجد مبرر لهذا الغضب، لكن عبثا وتحملت ذلك على مضض، وواصلت جهدها في العمل والدراسة، وممارسة مهنة الخياطة والتطريز، ويكون ريعها المالي هو دعم الأنصار في كردستان، كما لاحظت بعين غير راضية، هو ترتيب أوضاع إقامة الرفاق المتواجدين في بلغاريا، منْ يمتلك صداقات ومعارف، يرسل الى الدراسات الجامعية، وغيرهم يرسل الى دورات حزبية ودراسات أكاديمية محدودة، حاولت أن تقنع نفسها، بأن ضرورات النضال الوطني تتطلب هذه الإجراءات، وجاء وقت المخاض والولادة، وأصبحت أماً، ملأ هذا الوليد الدفء والحنان، وهي بأمس الحاجة اليه لكي يملأ حياتها، في هذه الظروف الصعبة، وتعلمت أن تتحمل الوجع والألم، كزوجة وأم، وحتى من العلاقات العامة، حيث تجمعت عوائل الرفاق بكثرة في الفنادق، كثر القيل والقال، لكنها تمسكت بقوة الحب الى زوجها، فهو الملاذ الآمن في هذه الرحلة الطويلة لقد كانت رحلة شاقة، لكن علمتها: أن الحياة ليست دائماً كما نخطط لها، وأن الحب الحقيقي هو ذاك الذي يظل صامداً رغم كل العواصف… 

ظلت ذكريات تلك الأيام محفورة في قلبها، لا ذكرى ألم، بل كإرثٍ من القوة والمثابرة) ص59. وجاءت الغربة الثانية هو الرحيل الى اليمن الجنوبي بقرار حزبي، فوافق زوجها على القرار، وعرفت عن زوجها لا يعارض أي قرار من الحزب، يمتثل لكل قرار مهما كان.. وكان زوجها ممن لا يعارضون، ولا يبدون امتعاضاً حين يتعلق الأمر بتوجيهات الحزب، فقد نذر حياته لقضية آمن بها حتى العظم، وأخلص لها إخلاص العابد المتبتل في محرابه، أما هي ورثت عنه هذا الولاء) ص94. هذا الولاء تداعياته إحساس تعمق بالنضال الوطني، لكنها وجدت نفسها على تخوم هذه البقعة من العالم اليمن الجنوبي)، أوضاع لا تحتمل ولا تطاق، اشتغلت مع زوجها بمهنة التعليم براتب زهيد، يصعب تلبية الحاجات الأساسية اليومية، لكن اقتنعت بهذا الوضع الجديد، ليس منفى، وإنما ولادة جديدة في قطار العمر، وكان الصبر ملاذها، رغم الحزن والكآبة. بدون شك حكايات السرد كثيرة ومتنوعة من الهموم والأشجان، لكنها تبقى هذه الذكريات توثيق تاريخي وسياسي بالغة الأهمية… نقتطف منها:

1 – الأم زهرة:

هي قريبة الشهيد سلام عادل حسين أحمد الموسوي). تسرد عن سيرة حياته، بكل فخر واعتزاز، منذ ربيع عمره انخرط في غمرة النضال السياسي والحزبي، رجل واثق من نفسه متفاني في قضية الوطن والإخلاص له، بل كان ملحمة ثورية بطولية، تسرد الحكايات عنه بكل قدسية الرجل الذي لم يكن شخصاً عابراً في الحياة، بل ملحمة نضال تمشي على قدمين… حسين أحمد الموسوي. المعروف بين رفاقه باسم خلده التاريخ – سلام عادل -) ص140. كانت الأم زهرة، مثال الشجاعة والإقدام، وكانت تقف في وجه رجال الأمن في العهد الملكي، والى زمن الحرس القومي البعثي، ونشأت من عائلة فقيرة كادحة، تعلمت مهنة التمريض، وكانت تقدم خدماتها إلى الناس، وخاصة عند النساء ساعة المخاض، كانت محل حب واحترام لدى الناس، وتكون حاضرة ساعة الشدة والعسر.

2 – الأب: 

صورة الأب الواعي والمتفهم لحاجاتهم المادية والإنسانية، ويتذكر موقفه المشهود، بكل حب واعتزاز، حين جاء ابن العم يطلب يد ابنته للزواج، وهو يفتخر بأمواله وامتيازاته الكثيرة بما يملك، فوقف الأب في وجهه بصلابة وصرخ به ليس عندي بنات للبيع… أنا لست من تبحث عنه) ص177. فكان بالنسبة الى عائلته الداعم والسند، وكان يكتب الشعر، يقرأ قصائده التحريضية ضد الظلم والطغيان، وكان يستغل المواكب الحسينية، لبث حماس الناس ضد الظلم والطغيان والإرهاب، وليس فقط ذكر مظلومية الحسين، بل قصائد تصب في توعية الناس. كان الشعر يسري في عروقه كما الماء في العروق، فكان شعره سلاح سياسي ضد سلطات الإرهاب، كان والدها يكتب الشعر في الليل ما سيردده في النهار، يلقي أشعاره بصوت الجهوري وسط المواكب الحسينية والدها لم يكن شاعراً فحسب، بل كان ضميراً حياً، يقف في وجه الجهل والخوف مستنداً إلى قضية لا تموت) ص183. وجاءت ساعة الاعتقال في زمن البعث، في جملة اتهامات منها: شيوعي خطير، وتارة ينتمي الى حزب إسلامي، تارة أخرى مهرب، يهرب السلاح والعبوات الناسفة. كان غياب الأب صعب جداً على عائلته، صدمها بحزن غيابه، ولكن بعد إطلاق سراح السجناء السياسيين عام 1973، أطلق سراحه، فتح الباب ببطء وأطل شبح إنسان في جسده النحيل، في حالة يرثى له، فقال بصوت متهدج مخنوق هل أنتم جميعاً بخير؟ لم يعتقل أحد؟ لم يعذب منكم أحد؟) ثم أضاف بقوله الحمد لله… كنت اسمع أصوات أستغاثتكم بي، من الزنزانة المجاورة كل ليلة، كنت أميز صراخكم، كنت أسمع أحدكم يصرخ: أنقذني يا أبي، أنا أموت، لقد هددوني بكم… كانوا يعذبونني بذلك، ينهشون قلبي قبل أن ينهكوا جسدي) ص187.

3- الزوج الحبيب: 

تربى في عائلة بسيطة وفقيرة وكان والده عامل، لا يملك من الدنيا سوى عرق كدحه وجبينه، واصل دراسته بامتياز، وانخرط بشهية طاغية في حب قراءة الكتب الفكرية والأدبية، وانخرط في النضال السياسي والحزبي، وبرز من الأسماء الأدبية اللامعة في العراق، وكان محل احترام وتقدير في قلوب الناس. تزوج من حبيبته رغم معارضة أمها، وكان الزواج بحضور شاهدين فقط، لا مهر، ولا احتفالات، ولا تجهيزات فاخرة ليوم الزفاف، لأنها كانت تؤمن بالحب، كانت مؤمنة بأن من اختارته شريكاً لحياتها، سيفهم طموحها، سيدعمها، سيقف إلى جانبها في كل خطوة، بهذه القناعة واجهت الجميع وتحدت أهلها) وخلال الحملة الإرهابية البعثية، خاض عمار الغربة والمنفى وترك زوجته الحامل، لكن التواصل استمر بدوام الحياة رغم معاناتها، بذلك اختتمت الرواية بهذه المقولة الحكيمة لا نهاية تكتب إلا في طيها بداية أخرى، أكثر أملاً وإشراقاً، وأشد امتلاء بالحب) ص231.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.