جسد الوطن.. أي بهية في شعر أحمد فؤاد نجم – للبولندي بوغدان هورفاك

جسد الوطن.. أي بهية في شعر أحمد فؤاد نجم – للبولندي بوغدان هورفاك

اللوحة: أحمد فؤاد نجم بريشة الفنان الفلسطيني زاهد حرش

ترجمة: فهد حسين العبود

   إن الجزء الأكبر من الأدب العربي مكتوب باللغة الفصحى الكلاسيكية. وتظل هذه اللغة إلى يومنا هذا لغة الأعمال الأدبية الأساسية في الأدب العربي، وبالتالي الآداب الوطنية العربية (مثل الآداب المصرية أو اللبنانية أو السورية…). ومع ذلك، فإن هذا التقسيم إلى أدب فصيح “نخبوي” وأدب “شعبي” كان موضع تساؤل في السنوات الأخيرة من قبل بعض الباحثين في تاريخ وتأريخ الأدب العربي. 

إن تطور الشعر العامي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، وكذلك استقباله من قبل النقاد والقراء، كثيراً ما يُستشهد به كمثال يوضح بشكل أفضل “إعادة هيكلة” النتاج الشعري. وشعر اللهجة لم يصبح موضوعًا للدراسات الأدبية إلا في نهاية القرن الماضي. حيث كان في السابق يعتبر مصدرًا حصريًا تقريبًا للبحث التاريخي أو اللغوي.
وقد حدث هذا التحول في المقام الأول بفضل أبحاث الفولكلور، التي فصلت بين ما يسمى بالشعر “الشعبي”، والشعر “العامي” وهو الشعر التأليفي المكتوب باللغة المحكية. ومع ذلك تبقى الصلة بين هذين النوعين من الشعر صلة أصيلة، ولغتهما هي التي تميز الطبيعة “المحلية”. وبحسب بعض الباحثين، فإن الأدب العربي الكلاسيكي، باستثناء صغير، “فشل في وصف أو التعبير عن العديد من جوانب الحياة المحلية التي وصفها الأدب العامي، ولا يزال يفعلها”. وأعتقد أن هذه الملاحظة يمكن تطبيقها أيضًا على شعر أحمد فؤاد نجم (1929-٢٠١٣).

   تُعد أعمال أحمد فؤاد نجم نموذجا لإضفاء الطابع الشعري على اللغة اليومية المصرية. وقصائده مشبعة بالأمثال والكنايات والاستعارات الشعبية، بصيحات الباعة الجوالين، والأشكال والصيغ المأخوذة من الأدب المنقول شفويا (المواويل والفوازير والأغاني الشعبية).
   وقد ظهر الوطن في شعر أحمد فؤاد نجم، من خلال صورة امرأة بسيطة، غالبا ما تكون راسخة في الموروث الجمعي الشعبي (بهية مثلا). والوطن عنده، أُمٌّ تملك جسدا “زمانيا” كاملا، يتم التغني به باستخدام الأسطَرةِ والتعبيرات الشعبية الموروثة، ولكن مع توليد قيم جديدة. ومن أشهر أعمال أستاذ الشعر العامي المصري، أحمد فؤاد نجم، قصيدة بهية، المعروفة بشكل أكبر كأغنية (مصر يمّا يا بهية)، التي لعبت دورا يشبه دور النشيد الوطني خلال الربيع العربي وما تبع تلك الفترة، من حراكات شعبية وتجمعات طلابية. وتكمن أهمية ظاهرة شعر أحمد فؤاد نجم في انتشاره الواسع، وإرضائه لذائقة الأجيال المتتالية، حيث لا تزال أعماله التي يعود تاريخها إلى أكثر من ستين عاما تحظى بشعبية واسعة، ولا زال الكثير من الشباب ينظرون إلى أحمد فؤاد نجم نظرتهم إلي تشي جيفارا، على الرغم من أن سلاحه الوحيد هو الكلمة. إن اهتمامي هنا ينصبُّ، بالدرجة الأولى على كيفية تحول النصوص الشعرية لأحمد فؤاد نجم إلى جزء من الثقافة الجماهرية، على الرغم من أن الشعر ينتمي إلى الثقافة “النخبوية”. ولتفسير هذه الظاهرة، علينا أن نميز عدة مسائل، أولها احتلال الشعر لصدارة الأدب في الثقافة العربية-الاسلامية. ثانياً، فيما يتعلق بالشعر المحكي، فإنه بسبب لغته، يرتبط ارتباطاً أقوى بالفنون التركيبية مثل المسرح والسينما وما إلى ذلك. ثالثا، يعد أحمد فؤاد نجم قامة بارزة في المجتمع المصري بفضل تواجده الكبير في الفضاء الإعلامي، ويبدو أنه، على الرغم من وفاته، سيبقى يحتل هذه المكانة لفترة طويلة من الزمن.
   والآن دعونا ننتقل إلى موضوع الجسد. فبتحول الوطن المجسَّد في “بهية” إلى جزء من الثقافة الشعبية، قد يكون معرّضاً للظهور بصرياً في الفنون الجماهيرية مثل الكاريكاتير والملصقات والرسوم على الجدران. وفي هذه الحالة، قد ينشأ سؤال بسيط: كيف تبدو بهية؟ منذ النظرة الأولى، يتضح أن النتاج الشعري لأحمد فؤاد نجم بعيد عن موضوعات الجسد أو الغزل الحسي، على أنه يزخر بالكثير من الشعر الغزلي، أو شبه الغزلي، لأنه في أغلب الأحيان يكون بوحًا في حب الوطن. ويزخر كذلك بالشعر الفلسفي، أو شبه الفلسفي، الذي نجد فيه تأملات حول الهوية، ولكن هوية الأمة بالمقام الأول. أما كلمات “الجسد” أو “الجسدية” بحد ذاتها، فهي تقريبا لا تظهر في أعماله. والحالات النادرة التي تظهر فيها هذه الكلمات تكون متعلقة بالموت، أي فقدان الجسدية كحالة إنسانية. 
   في أعمال نجم الوطنية التي سمحتُ لنفسي بتسميتها شبه الغزلية وشبه الفلسفية، لفت انتباهي المناورة الشعرية التي كثيراً ما استخدمها الشاعر في تجسيد الوطن في صورة “بهية” ما، وفي بعض القصائد أيضاً صورة سلمى أو عزة. وهذه الصورة ليست جديدة في الأدب المصري. إذ نجد ذلك في الشعر الشعبي وفي أعمال جيل أحمد فؤاد نجم، مثل نجيب سرور في مسرحية “ياسين وبهية” التي ظهرت في نفس الوقت تقريبًا. وفي هذه المسرحية وظّف سرور أسطورة حب مأساوية منتشرة بين الفلاحين، هي حكاية ياسين وبهية، والتي ألهمت العديد من الأغاني الشعبية. لكن بهيةَ نجم هي التي أصبحت رمزًا، كما توضح إحدى المدوِّنات المعروفات التي أطلقت على مدوَّنتها اسم بهية، وفي الصفحة الرئيسية للمدوَّنة شرحت سبب اختيارها لهذا الاسم قائلةً: “بهية اسم أنثوي أصبح يُطلق على مصر بحد ذاتها. ورمزيته تأتي من عمل الثنائي الموهوب الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في أغنيتهما المؤثرة (مصر يمّا يا بهية)، وأنا لا أدعي هنا بأنني أمثّل مصر أو جميع المصريين، لكنني ببساطة أحب هذه الأغنية”.
   تبدأ القصيدة بالكلمات التالية: 

يسبق كلامنا سلامنا يطوف ع السامعين معنا 
عصفور محندق يزقزق كلام موزون وله معنى

وهنا نجد منذ البداية الخيوط المميزة للأسلوب الشعري لأحمد فؤاد نجم: المقياس المسمّط، والقافية الداخلية، والمجاز الشعبي (العصفور). و”كلامنا” هنا تعود على الشاعر أحمد فؤاد نجم والموسيقي الشيخ إمام، صديقه الذي أنشأ معه ثنائيًا شعريًا وموسيقيًا لسنوات عديدة، ولم تقتصر شهرته الواسعة على مصر فقط، بل تعدت ذلك إلى العالم العربي عموما. وقد تعرف معظم محبي أحمد فؤاد نجم على شعره من خلال عروض وكاسيتات هذا الثنائي، والتي انتشرت في المنازل من خلال المسجلات. ولهذا السبب فإن هذه الكلمة “كلامنا” موجهة إلى السامعين وليس القرّاء. ومن الجدير بالذكر أن هذه الكاسيتات لا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا، على الرغم من أن أحمد فؤاد نجم أصبح “نجمًا” في التلفزيون والإنترنت، ولكن معظم النجوم في الأشرطة هم، بطبيعة الحال، مغنين، وليسوا شعراء. ويجب التنويه إلى أن “عصفور محندق” تشير أيضا إلى نظرة انتقادية للصور النمطية لأغاني الحب المنتشرة، والتي يتم استخدامها بشكل مفرط لدرجة أن كلماتها أصبحت متطابقة تقريبًا، فيما يسمى “قاموس الحب” وهنا أجد إشارة إلى انتقاد هذه الظاهرة في قصيدة “يا أهل المغنى” لبيرم التونسي: 

يا أهل المغنى دماغنا وجعنا 
دقيقة سكوت لله
دحنا شبعنا كلام ماله معنى
يا ليل ويا عين ويا آه

   يشير أحمد فؤاد نجم، إلى ضرورة التنبه إلى أنه، خلافا لتلك الأغاني، فإن كل “بلبل” وكل “غصن” يجلس عليه هذا البلبل في هذه الأغنية له معنى ومغزى، وهو يغني على وجه التحديد: 

عن أرض سمرا وقمرا
وضفة ونهر ومراكب

في عيون صبية بهية
عليها الكلمة والمعنى

   بحسب كمال عبد الملك فإن هذا الاسم “يستحضر صورة المرأة الفلاحية الفقيرة، التي قد تكون متواضعة وحتى غير جميلة، ولكن  تكمن في داخلها كنوز من الجمال.

مصر يامه يا بهيه
يام طرحه وجلبيه
الزمن شاب
وانتي شابه
هو رايح
وانتي جيه

   إذا استذكرنا تمثال محمود مختار (نهضة مصر) الشهير في وسط القاهرة، فسوف نرى أن المرأة التي ترمز لمصر كشفت عن وجهها، ولن يكون من الصعب تكوين رأي حول جمالها. وأما جمالها الداخلي فلا شك فيه. إنها امرأة مثالية، وحتى المعاناة ليست ظاهرة على وجهها، لأنها كما يقول الشاعر: 

واحتمالك هو هو
وابتسامتك هي هي
تضحكي للصبح يصبح
بعد ليله ومغربيه
تطلع الشمس تلقيكي
معجبانيه وصبيه
يا بهيه

   عندما أفكر بالشكل الذي قد تكون عليه بهية، أتذكر لوحات الفنان التشكيلي المصري محمود سعيد. على سبيل المثال لوحة (فتاة صغيرة من أسيوط)، حيث نجد، كما في قصيدة “بهية”، النهر والشاطئ والقوارب والأرض. ونجد فتاة سمراء جميلة كالقمر، مثلما يقول العرب، وهي لا تبتسم، بل يجعلنا الفنان ننتظر ابتسامتها كي “نرى الصباح”. وهي تبدو فتاة صغيرة مستاءة، لكنها مستعدة للمسامحة والعودة للاستمتاع بالحياة، تماما مثلما يفعل الأطفال الغاضبون. 

   وفي لوحة أخرى لهذا الفنان بعنوان “بنت البلد” تظهر امرأة تشبهها وهي تبتسم ولكنها لا ترتدي جلابية. وقد كتب الرسام والناقد الفني يوسف ليمود عن هذه اللوحة: “إن جسد فتاة القرية هو الخميرة التي يخلط منها الرسام عجينة من الألوان العميقة، “مُظهرًا من خلالها روح الحياة المصرية.”
  إن صفة أسمر في اللغة العربية هي لقب يشير إلى البشرة الجميلة، وكثيراً ما تستخدم صفة أسمراني في اللغة المحكية كصفة محددة للدلالة على شخص جذاب (بصيغة المذكر، ولكن لكلا الجنسين، كما يحدث في شعر الحب العربي). إن إشارة بهية إلى الطبيعة، وخاصة إلى الأرض، فضلاً عن علاقتها بها، موصوفة في شعر أحمد فؤاد نجم بكلمات مثل “الولادة”، “الزرع”، “الحصاد”.

  وبهية (الوطن) يستطيع أن يخُخصبها حتى العصفور بتغريده، كما في قصيدة “بهية”، وكذلك الكلمة يمكنها القيام بذلك، كما في قصيدة دور يا كلام: 

دور يا كلام على كيفك دور 
خلي بلدنا تعوم في النور 
إرمي كلمه فبطن الضلمه 
تحمل سلمى وتولد نور

وفي قصيدة “يا بهية وخبرينا” تظهر حكاية بهية كمحفّز للناس

يا بهية لملمينا
نطرح مليون ياسين

   ومن الأمثلة على التصور المعاصر لبهية في الكتابة على الجدران والملصقات، شعار الحركة الديمقراطية النسائية “بهية يا مصر”. الذي يُظهر شابة جذابة ومتحررة وواثقة من نفسها، ترتدي ملابس تقليدية أنيقة (الجلابية والطرحة)، وتقاتل من أجل “حريتها وكرامتها وحقها”. وأنا شخصيا أشك في أن ينظر أحمد فؤاد نجم، الذي ناضل من أجل نفس القيم، إلى بهية بهذه الطريقة. أولا لأن صورة بهية التي تركها، عند القارئ (الفلّاحة) صورة مغايرة، وثانيا، لأن صورة بهية ليست كناية عن مصر في أمثلة محددة فقط (شعار لحركة نسائية). وفي النهاية، لا بد من القول إن الشاعر الذي يستمد من اللغة الشعبية هو في نفس الوقت مبدع لغة. وهو عندما يستمد من الثقافة الشعبية، يصبح خالقا لثقافة وطنية.

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.