اللغة العربية والعلم

اللغة العربية والعلم

د. عوض الغباري

تستوعب اللغة العربية مصطلحات العلوم لثرائها وطواعيتها لذلك، وقد قال حافظ إبراهيم معبرا عنها:

وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً

وما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

وبينما كانت أوروبا غارقة فى ظلام العصور الوسطى، كانت اللغة العربية مصدراً للعلوم والفنون والآداب والمعارف لمدة خمسة قرون على الأقل (من القرن العاشر الميلادى إلى القرن الخامس عشر). وعلى أساس ما ترجمه الغرب عن العرب قامت نهضة اوروبا الحديثة.

ولما كانت اللغة مرتبطة بما حولها من ظروف مختلفة فقد أخذت اللغة العربية فى التراجع عن مصطلحات العلوم الحديثة بداعى منطق التاريخ إذ تأخرت حضارة اللغة العربية عن سابق عهدها، بينما حل الغرب ليأخذ مكانه المتصدر لعالم العصر الحديث.

ومن هنا تجري المحاولات الصادقة الحثيثة لاسترداد اللغة العربية لمكانتها العلمية الجديرة بها.

ومن تلك المحاولات ما قدمه المرحوم الأستاذ الدكتور “محمود فوزى المناوى”. ومع أنه كان أستاذا فى طب القصر العينى فإن جهوده فى ربط اللغة العربية بالعلوم أهلته لأن يكون عضوا بمجمع اللغة العربية.

وقد أصدر “المناوى” كتابا مهما فى هذا الصدد عنوانه “العلم واللغة؛ متى يتكلم العلم العربية”. (الهيئة المصرية العامة للكتاب- 2013م).

ويرى “المناوى”  – ونحن معه- أن الجامعة “مهد للحضارة، ومركز إشعاع للعلوم والفنون”، وأنها قادرة على المشاركة فى تقدم المجتمع. ونرى مصداق ذلك فى جامعة القاهرة، والجامعات المصرية الأخرى التى تسعى جاهدة لتطوير مناهجها لتواكب الركب العلمى الحديث فى مختلف المجالات.

وفى إطار “العولمة” التى تعنى “خضوع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية لقواعد علمية” نمضى فى حرص على الموازنة بين متطلبات العولمة وبين ثقافتنا وحضارتها المصرية العربية الإسلامية الخاصة .

والعقول المصرية تستطيع “استثمار المعلومات وتحليلها وصياغتها” . والتنمية التكنولوجية استثمار للقدرة على الابتكار والسعى لمستقبل أفضل.

و”السياسة التعليمية الوطنية” طريق للحفاظ على الثقافة وتنميتها “وفتح الآفاق للتقدم والرقى”. ونؤكد مع “المناوى” أن “جوهر الصراع العالمى هو سباق فى تطوير التعليم”.

وهنا يبرز دور أساتذة الجامعات “الذين أثروا … طلاب الجامعات بالكثير من السلوك الأخلاقى والأكاديمى القويم، وبث روح الانتماء والولاء للوطن”. والتحدى المهم هو استثمار العلم والتعليم لمتطلبات العمل والإنتاج للحياة المعاصرة.

ولا شك أن مردود ذلك سيكون خيرا على الصلة الوثيقة بين اللغة العربية والعلم، وتاريخها يؤكد ذلك . واللغة العربية منذ منتصف القرن السابع الميلادى قد شهدت تمازجا “بين الحضارة الإسلامية وحضارات البلاد المفتوحة.. كما أصبح من العرب من يعرف العلوم النظرية والعلوم التطبيقية، ولتصير “العربية” بعد ذلك لسان العلماء فى هذه العلومن ولغة للعلم بمفهومه الحديث”.

ويعد “الرازى” – برأى الأوربيين فى العصر الحديث –  أعظم أطباء العرب، وقد جعلوه أهم مرجع طبى لهم لعدة قرون. وهذا يدل على أثر العرب فى أوروبا علمياً.

ويشير “المناوى”  إلى أن دراسة الطب بالقصر العينى كانت باللغة العربية إلى أن حلت اللغة الإنجليزية محلها بعد ذلك. وتحتاج العودة لتدريس العلوم باللغة العربية إلى كثير من الجهود فى تعريب العلوم لسد الفجوة بين المصطلح العلمى العربى ونظيره الأجنبى.

وترجع أهمية اللغة متمثلة فى أنها “الفكر بذاته”. واللغة العربية رمز لفكر أهلها وثقافتهم وحضارتهم، وتعلم لغة اخرى مهم دون أن تفقد اللغة الأم خصائصها. “فإتقان اللغة الأجنبية شئ، واستخدامها بدلا من اللغة القومية شئ آخر. إذ فى إتقان اللغة الأجنبية دعم للثقافة ورقى لها فى ميادين العلم. وأما استخدامها بديلا فعزل للغة القومية ووأد لها”. ويؤكد “المناوى” أن تعريب العلوم والمصطلحات “مهمة قومية” لتحقيق الهدف من عودة اللغة العربية لغة للعلم الحديث . وللترجمة دور أساسى فى ذلك، وتحقيق للتفاعل مع اللغات والثقافات الأخرى. إن اللغة تعبير عن جوهر الثقافة، والتنمية الثقافية أساس “للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وتشجيع الإنتاج الفكرى والفنى”. خاصة أن الثقافة – فى أحد مفاهيمها – هى “الرؤية الشاملة للحياة”.

والتعليم والثقافة “جناحان لتنمية الفرد، وتكوين قدراته وسلوكه، وصياغة فكره ووجدانه”. مما ينبنى عليه الأساس فى ربط اللغة العربية بالعلم . ونأمل مع “المناوى” أن “يصبح المنهج العلمى فى التفكير والتحليل سمة سائدة فى المجتمع”.

كما نرجو – بالعلم والعمل- أن تسود الثقافة العلمية عنصرا من المكونات العربية الحديثة عن طريق التثقيف العلمى والتكنولوجى فى إطار إنسانى قويم. فالمنهج العلمى ضرورة مهمة للتطور، وعناصره من تحرى البحث ،  وموضوعيته مهمة فى تحقيق هذا الهدف، خاصة توظيفه فى خدمة المجتمع وإصلاحه. وتبسيط العلوم مهم لتكوين مجتمع المعرفة، ونشر الثقافة العلمية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.