دهون ثلاثية

دهون ثلاثية

اللوحة: الفنان الفرنسي إدوارد فويلارد

ماهر باكير دلاش

في إحدى المدن الخفية، حيث تسكن الأرواح لا الأجساد، وتُقاس الحياة بمقدار ما يتدفق من نور في الشرايين، عاشت مدينة تُدعى “جُسمان”. كانت هذه المدينة لا تشبه أي مدينة تعرفها، إذ لم تكن تُبنى بالجدران، بل بالخلايا، ولا تُضاء بالمصابيح، بل بنبض القلب. وفي قلب المدينة – بالمعنى الحرفي والمجازي – كان هناك مركزها: “القلب”، السيد العادل، الحاكم الذي لا يتكلم، لكنه يُقرر من يعيش ومن يرحل.

في هذه المدينة، سرت فوضى غريبة. مشاغبون جدد غزوا الشوارع، يركضون في الأزقة، يختبئون بين الأنسجة، ويتركون خلفهم آثارًا من التعب والخذلان. أطلق الناس عليهم: الكوليسترول، يتزعمهم ثلاثي شقي يدعى: الدهون الثلاثية.

لم تكن الدهون الثلاثية مجرد مواد، بل كائنات رمزية، تجسيد لرغبات الإنسان غير المنضبطة: شهوته للطعام، كسله عن الحركة، هروبه من ذاته نحو الوجبات السريعة والمقاعد الوثيرة. كانت الدهون الثلاثية تمثل الإفراط، ذلك الميل لأن تملأ الفراغات دون سؤال، وتغلق الطرق دون رحمة.

لكن المدينة لم تكن بلا حُماة. كان هناك شرطي طيب، يدعى HDL. كان هذا الشرطي لا يملك سلاحًا سوى سمعته الطيبة ونواياه الصافية. يمضي يومه وهو يجمع المشاغبين، يحاول إنقاذ المدينة، يدفعهم نحو السجن الفلسفي الذي يُدعى “الكبد”، حيث يتم التطهير. غير أن معركته لم تكن عادلة، فهناك شرطي آخر، LDL، فاسد في جوهره، يحرر المشاغبين، يوقع الاتفاقيات مع الدهون الثلاثية، ويعقد صفقات مع الكوليسترول.

وفي هذا المسرح المظلم، بدأ القلب يئن. لم يكن صوته مسموعًا، لكنه كان يشعر بالثقل. الطُرق المؤدية إليه بدأت تُغلق، والدم – حامل المعاني – لم يعد يصل كما ينبغي. ومع كل انسداد، كانت تُحذف فكرة، أو تُنسى ذكرى، أو يُطفأ حلم.

ظهر في المدينة رجل غريب. لم يكن طبيبًا، ولا واعظًا، بل كان أشبه بفيلسوف عجوز. كان يمشي كل صباح، لا يُمسك بهاتف، ولا يُصغي لسماعة. فقط يمشي. في كل خطوة، كان يُضيء شارعًا. يرتفع شرطي الخير (HDL)، وينكمش الشرطي الفاسد (LDL). وكلما ازداد عدد خطواته، كلما بدأت المدينة تستعيد شكلها الأول: أقل ضجيجًا، أقل تلوثًا، أكثر حياة.

جلس مرة إلى مجموعة من كبار السن، وقال لهم: “يا أهل جُسمان، إن الدهون الثلاثية ليست مادة، بل فكرة. هي الفوضى حين نُفرط، وهي القلق حين نُسرف، وهي الندم حين نؤجل. لا تداووها فقط بالحبة، بل بالخطوة. لا بالدواء وحده، بل بالقرار. امشوا، لا لتُحركوا أجسادكم فقط، بل لتُحركوا ماضيكم الراكد. وقللوا من تلك الأشياء التي لا تضيف للروح سوى الثقل: الملح، السكر، الطحين الأبيض…”

ثم ابتسم، وأكمل: “تذكّروا، أن تنسى عمرك لا يعني أن تُنكر الزمن، بل أن تتحرر منه. أن تنسى ماضيك لا يعني أن تُنكر تجاربك، بل أن لا تعيش فيها. أن تنسى شكاواك، هو أن تعترف بها ثم تتجاوزها.”

واختتم كلامه: “في هذه المدينة، كل شيء يبدأ من القلب. لا تظنوا أنكم تعيشون لأنكم تتنفسون، بل لأن قلوبكم ما تزال تجد طريقها وسط الشرايين. فامشوا، وابتسموا، واشربوا الماء قبل العطش، وتذكروا: أن الدهون الثلاثية ليست عدوكم… بل مرآة كسلكم.”

غاب الرجل. لكن أثره بقي. وفي إحدى الزوايا، كُتب على الجدار: “كل خطوة تخطوها في الحياة، إمّا تفتح طريقًا للقلب، أو تُغلقه.”

وهكذا… ظلّت مدينة “جُسمان” تُصارع دهونها الثلاثية، لكن هذه المرة – بوعي جديد، وخطوات تُحسب لا بالساعات، بل بالبصيرة.

لكن مدينة “جُسمان” لم تَعد كما كانت. كان اختفاء الرجل الغريب بمثابة شرارة أيقظت في أهل المدينة شيئًا نادرًا: الشعور بالمسؤولية الفردية. لقد فهم الناس، للمرة الأولى، أن الكارثة ليست في انسداد شريان، بل في انسداد القرار، وفي تأجيل الحياة إلى ما بعد المرض.

أصبح كبار السن يجتمعون كل فجر عند بوابة الحديقة، لا ليتبادلوا الشكاوى، بل ليستعرضوا عدد خطواتهم، ويتباهوا بما فعلوه ضد الدهون الثلاثية. واعتُمد قانون جديد في جُسمان: “كل من يمشي يُعدّ طبيبًا. وكل من يجلس متفرجًا يُعدّ سببًا في الانسداد.”

وظهرت لافتات عند كل زاوية: 

– لا تنتظر حتى تتعب لتستريح… اجعل الاستراحة أسلوب حياة.

– لا تنتظر حتى تمرض لتفحص… تفحّص لتبقى.

– لا تنتظر الآخرين ليبدؤوا… أنت المدينة.

في تلك المدينة، بدأت تظهر فئة جديدة من السكان، لا تُقاس أعمارهم بالتقويم، بل بخفة أرواحهم. كان من يراقبهم يدرك أن الشباب ليس في العُمر، بل في الخطوة التي تسبق الشكوى، وفي الحركة التي تهزم الركود. وكان أولئك الذين يتبعون خطى الفيلسوف، يتداولون وصاياه كأسرار مقدسة: 

– إذا أردت أن تُطيل عمرك، قلل من طعامك، وزد من حركتك، ونقّ أفكارك.

– إذا أردت أن تصنع معجزة، فلا تنتظرها… كن أنت المعجزة بصبرك وعاداتك.

– إذا أردت أن تبني قلبك، فلا تبدأ من الطبيب… ابدأ من نيتك.

ومن القصص التي رواها أهل جُسمان بعد رحيل الرجل، أن أحد الشبان سأل عجوزًا كان يركض كل صباح:

– “إلى متى ستركض؟”

فأجابه: 

– “حتى لا يسبقني الكسل إلى قبري.”

فضحك الجميع، وركضوا خلفه.

ليس عليك أن تكون طبيبًا لتفهم دهونك، ولا أن تكون فيلسوفًا لتدرك أن جسمك مرآةٌ لروحك. كل ما عليك، هو أن تعترف بأن داخل كل واحدٍ منا… مدينة تُدعى “جُسمان”. وفيها قلب ينتظر منك قرارًا بسيطًا: أن تتحرك.

وكل خطوة تخطوها، ليست فقط نحو الصحة، بل نحو الحياة التي تستحق أن تُعاش بخفة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.