الأم الصالحة.. أعتى حصون المجتمع المسلم

الأم الصالحة.. أعتى حصون المجتمع المسلم

اللوحة: الفنان الأميركي بلات باول رايدر

ماهر باكير دلاش

حين يتأمل الإنسان في البنية الوجودية للمجتمع المسلم، يجد أن كل مؤسساته وقوانينه، وكل تجاربه الحضارية، ليست سوى امتدادٍ لجوهرٍ أصيلٍ يتشكل في الداخل: في الأسرة. والأسرة بدورها ليست إلا ثمرة امرأةٍ حاضنة، ولبنة أمٍّ صالحةٍ تُخرج الأجيال من رحمها، لا أجساداً فقط، بل قيماً ومناهج حياة. ولهذا، فإن الأم الصالحة ليست مجرد ركيزة من ركائز الأسرة، بل هي الحصن المنيع الذي يحرس كيان الأمة من التفكك، ويصون هويتها من الذوبان، ويمنحها القدرة على البقاء في وجه التحديات.

  • الأم الصالحة بوصفها مشروعاً حضارياً

إذا نظرنا إلى دور الأم الصالحة، وجدنا أنها ليست فقط حاضنة بيولوجية، بل هي مشروع حضاري يمشي على الأرض. فالأم ليست جسداً يغذي جسداً، بل روحاً تبني روحاً، وفكراً يغرس فكراً. الأمومة، في حقيقتها، فعلٌ حضاري يُعيد إنتاج الإنسان وفق منظومة قيمية ومعرفية.

فكما أن كل حضارة تحتاج إلى مؤسساتها التعليمية والتشريعية، فإن المجتمع المسلم يملك في الأم الصالحة مؤسسته الأولى، ومدرسته الكبرى، وجامعته الخفية. إنها الحصن الذي لا تُخترق جدرانه بسهولة؛ لأنه لا يُبنى من حجرٍ أو طين، بل من إيمانٍ ووعيٍ وتقوى. حصنها متين لأنه مشيّدٌ بالقرآن، محروسٌ بالقدوة، محصَّن بالصدق والرحمة.

الأم الصالحة ليست مجرد امرأة تعد الطعام وتغسل الثياب، وإلا لكان كل مطبخ مطعماً حضارياً، وكل غسّالة معملاً لإنتاج الرجال. القضية أعمق: الأم الصالحة مشروع حضاري يمشي على قدمين، يُعيد تدوير الإنسان لا كقطعة بلاستيك، بل كروح قادرة على حمل الأمانة. المجتمع الذي يملك أمهات صالحات لا يحتاج إلى آلاف الدساتير لتربيته، لأنه يجد في صحن حساءٍ مع دعاء أمٍّ صالحة ما يعجز البرلمان عن صياغته في ألف جلسة طارئة.

  • الأمومة بين الفطرة والتكليف

الفلسفة الحديثة كثيراً ما حاولت أن تفصل بين الفطرة والتكليف، فتعاملت مع الأمومة كوظيفة طبيعية لا غير. أما في التصور الإسلامي، فإن الأمومة تتجاوز حدود البيولوجيا لتصبح تكليفاً شرعياً ورسالة وجودية.

الأم الصالحة تعلم أن طفلها ليس مجرد امتداد شخصي لها، بل هو أمانة لله، ومشروع أمة، وذخيرة مستقبل. ولهذا فهي لا تربي أبناءها كما يحلو لها، بل كما يرضى الله.

  • لمسة ساخرة

الفلاسفة الغربيون، وهم مشغولون بتعريف الأمومة، نسوا أن الأم ليست مجرد “آلية إنجاب”، بل كائن معقّد يملك قدرة عجيبة: أن يحوّل كائناً صراخه أشد من صفارة الإنذار إلى إنسانٍ يصلّي الفجر في المسجد. الأم الصالحة لا تلد أولاداً “للحياة”، بل تلد جنوداً للمعنى.

  • حصانة المجتمع تبدأ من حجر الأم

المجتمع المسلم حين يُهاجم فكرياً أو أخلاقياً، فإن أول أسواره التي تُستهدف هي الأم. ولهذا نرى أن الغزو الثقافي المعاصر يتسلل عبر صور المرأة والأمومة ليُضعف بنيانها، فإذا انهار هذا الحصن، انفرط العقد كله.

الأم الفاسدة تُخرج جيلاً هشّاً، بينما الأم الصالحة تُنبت جيلاً صلباً يقف كالجبال. إن كل انهيار حضاري يبدأ بانهيار التربية، وكل انهيار تربوي يبدأ بانكسار الأمومة.

  • المفارقة الساخرة

الجيوش تُهزم في المعارك، لكن الأمهات الصالحات لا يُهزمن إلا إذا استسلمن للمسلسلات التركية وموضات “الأم العصرية” التي ترى أن التربية لا تحتاج إلا إلى جهاز “آيباد” وإنترنت سريع. فالمجتمع قد يعيش بلا كهرباء، لكنه لا يعيش بلا أمٍّ صالحة.

  • البُعد التاريخي: أمثلة من الحضارة الإسلامية

لو تأملنا التاريخ الإسلامي، لوجدنا أن وراء كل رجلٍ صنع نهضة، امرأةً ربته. كان الإمام الشافعي يفتخر بأمه التي غرست فيه حب العلم، وكان الإمام أحمد ثمرة أمٍّ فقيرة غرست فيه العزيمة والصبر. وصلاح الدين الأيوبي ما كان ليحرر القدس لولا أمٍّ غرست فيه منذ صغره فكرة الجهاد.

  • مقارنة ساخرة مع الحاضر

لو قارنّا هذا المشهد بزماننا، لوجدنا أن بعض الأمهات يقضين وقتاً أطول في اختيار فلتر “سناب شات” من الوقت الذي يقضينه في غرس كلمة صادقة في قلب ولد. والنتيجة: جيل يعرف أسماء نجوم كرة القدم أكثر مما يعرف أسماء الصحابة.

  • فلسفة الحصن: لماذا الأم أقوى من الدولة؟

قد يتساءل سائل: لماذا نعتبر الأم حصناً أعتى من المدارس والجامعات والمساجد وحتى من الدولة نفسها؟

الجواب: لأن الدولة مهما عظمت لا تستطيع أن تدخل إلى وجدان الإنسان منذ لحظة ولادته، بينما الأم تفعل. هي التي تطبع في ذهن الطفل صورة العالم، وتحدد لغة تفكيره، وبوصلة قيمه، ومزاجه النفسي.

  • لمسة ساخرة

الدولة قد تقول: “يُمنع التدخين لمن هم تحت سن 18″، لكن الأم الصالحة تقول: “حرام أن تُدخل هذا السم إلى صدرك”. والفرق بين القانون والإيمان فرق بين ورقة تُخالف سراً، وقيمةٍ تُردع علناً.

  • الأم الصالحة بين الفردية والجماعية

الأم الصالحة لا تخرج مجرد أبناء صالحين في بيوتهم، بل موظفين أمناء، تجاراً صادقين، قضاة عادلين، وجنوداً مخلصين. أثرها يتسع حتى يغدو المجتمع كله محصناً بفضل امرأة واحدة.

  • نكهة ساخرة

الأم التي تُعلّم ولدها الصدق قد تُخرج وزيراً لا يسرق في المنصب، (ولو أنّ هذه النسخة نادرة في واقعنا المعاصر!).

  • الأم الصالحة: ملحمة يومية

هي لا تخوض حرباً بالسيوف، لكنها تخوض معركة أشد قسوة: أن تُقنع طفلاً أن يأكل الخضار، أو تُقنع مراهقاً أن الصلاة أجمل من متابعة “الميمز”. كل سهرٍ لها على وليدها يقظة للأمة، وكل دمعة خوف دعاء يحميها من الانهيار، وكل دعاء سهمٌ في صدر الباطل.

  • خاتمة جادة ساخرة

الأم الصالحة ليست فقط حصناً، بل آخر حصون الأمة. فإذا صلحت، صلح المجتمع كله، حتى وإن كان الحاكم فاسداً والاقتصاد منهاراً. وإذا فسدت، فلن ينقذنا لا الدستور ولا “مجالس الشورى”، ولا كل القوانين التي تُكتب بمدادٍ جميل على ورقٍ باهت.

فيا أيها الساسة: قبل أن تفكروا في بناء مصانع الصواريخ، فكروا في بناء أمهات صالحات؛ فهنّ الصواريخ التي لا تُخطئ أهدافها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.