اللوحة: الفنان السوري حمود شنتوت
محمد نديم علي

حول الطبلية.. تلك الدائرة الخشبية العتيقة، يتحلق أفراد الأسرة؛ الأب ذو السنوات الأربعينية، ذو الشارب الكثيف، والذراعين القويين، وسطي الجسد لكن تكوينه العضلي بوحي بأنه فلاح أصيل قد انحدر لتوه من جدارية مصرية قديمة في معبد مصري قديم، وثلاثة من الأبناء؛ بنتان وولد تدرجا قي ترتيب العمر من الكبرى للوسطى، للأصغر الذي لم يتعد الثمان من السنين. لم يكن بين الثلاثة فروقا كثيرة غير عام بين كل منهم.
تجلب الأم الأواني المليئة بالطبيخ الساخن، مختلف ألوانه، تسبقه رائحته التي تحرك الشهية، وتخدر الأدمغة.
تدس تحت سقف الطبلية إناء كبيراً؛ يتلقفه الوالد يخبئه عن العيون الجائعة المتتبعة.
تتوزع الأرغفة الساخنة
ـ اقتسموا رغيفا برغيف همست الأم
ـ كي لا تتركوا بقايا الخبز أشلاء مبعثرة
ـ كل مما يليك.
– لا تبلل أصابعك
– امضغوا جيدا كي لا تختنقوا
الأم الفرحة، تشهد عيالها يستمتعون بما صنعت ونور السعادة يشع من عينيها المكحلتين.
تغمز لرجلها.. ليبدأ توزيع الأنصبة، أو كما يسمى (النايب)
انه ديك كبير كان منذ ساعات يفخر بقوته، ويزهو بريشه، ويستقوي على دجاجاته السمينات. لكن تمت التضحية به، بعد تسمينه لأشهر، من أجل الموسم، فالليلة ليلة عاشوراء.
قضى نهاره في حقله الذي منحته إياه سلطة الثورة الجديدة منذ سنوات، يغرس ويسقي ويقطع الحشائش لبضع خراف وماعزتين.
وألقت الأم وشاح النوم منذ الفجرية، وقضت نهارها بين عجن وتخمير وخبز وطبخ.
حين عاد الأبناء، ألقوا بحقائب الكتب المدرسية فوق ظهر المصطبة التي تصدرت مساحة الصالة، التي كانت بمثابة غرفة للمعيشة مفتوحة على باحة الدار. على الجانب الاخر كان تنور البيت وركن إعداد الطعام، تحت مظلة من بوص الذرة الشامية.
– أصليتم عصركم؟
تدافعوا الى طلمبة الماء العذب ليتوضأوا.
– اعملوا واجباتكم قبل العشاء. ستأكلون وستثقل رؤوسكم.
اختطفوا بعض الأرغفة الدافئة الخارجة منذ لحظات من تنور الخير.
– لا تملأوا بطونكم الان.. انتظروا لحم الديك.
تصايحوا في فرح. وانكبوا يتمون واجباتهم المدرسية على الحصير النظيف.
***
تمتد يد الوالد تحت الطاولة المستديرة.. تكور اللحم.. وبأصابع خبيرة، تزن الكمية بعدل لا يميل به هوى. ويدس لكل عيل في يده ما تيسر من النايب.
كانت الفرحة ترفرف فوق المكان مختلطة برائحة الخير والفرح.
يمد يده لأم الخير…
– خدي يا أم العيال.. أنت شقيانة طول النهار.
– انت اللي شقيان يا خويا.. ربنا يديك الصحة ويخليك لينا.
– ويبارك فيكي يا ست الدار.
كانت يده تكور اللحم.. وتمد منحتها للعيال بحنان غامر.
.. كلوا يا عيال… يا واد شوية شوية لا تزور.
تحت الطاولة يكمن الخير.. وتحت الطاولة أيادي الخير، تقسم الخير بعدالة فطرية. تمنح كل ذي حق حقه، بلا اختلاس أو ظلم. بل بكل إيثار وتضحية.
– كل يا أبو الخبر…
– الحمد لله.. كدة رضا.. المهم العيال تشبع.
اضجع أبو الخير على وسادته الخشنة فوق المصطبة.. وضع كوب الشاي الأسود جانبا، ثم وضع الراديو الترانزيستور الصغير على أذنه.. يتتبع أخبار الأزمة.. النار مشتعلة هناك على خط القناة.. هناك أياد عفية، تلقن العدو درسا تاريخيا في حرب استنزاف وصمود.. تعلم التاريخ أن الارادة حديد.. وأن العدو يجب ألا يترك كي يهنأ بساعة من أمان وراحة فوق ترابنا..
يجول بين محطات الإذاعة يتلقط الأخبار.
سيعقد هذا الأسبوع مؤتمر (الطاولة المستديرة)، تنظمه القوى العظمى.. لمناقشة الأزمة.
كان الأبناء في غرفتهم يغطون في نوم عميق. وعلى وجوههم ابتسامة أمان ورضا.
وكانت أم الخير.. قد أنهت تنظيف أوانيها.. وصففتها بعناية فوق طبليتها الخشبية العتيقة.